المقاهي تتحدث… والسياسة تُصاغ في الظل: أي ملامح للانتخابات المقبلة بالداخلة؟

هيئة التحريرمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
المقاهي تتحدث… والسياسة تُصاغ في الظل: أي ملامح للانتخابات المقبلة بالداخلة؟

الساحل بريس / الصغير محمد

حين تخفت الأصوات الرسمية، ترتفع همسات المقاهي. هناك، بين فناجين القهوة ونقاشات تبدو عابرة، يُعاد تركيب المشهد السياسي بلغة بسيطة، لكنها محمّلة بإشارات عميقة حول ما ينتظر الداخلة في الاستحقاقات التشريعية المقبلة. ليس ما يُقال مجرد حديث يومي، بل هو محاولة جماعية لفهم ما يجري في الكواليس، حيث تُحسم الكثير من التوازنات بعيدًا عن الأضواء.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة ما يُتداول في المقاهي باعتباره مجرد “ثرثرة شعبية”، بل هو انعكاس لوعي سياسي ضمني، يدرك أن ما يُعلن ليس بالضرورة هو ما يُقرر. فالسياسة ليست فقط ما يجري في العلن، بل هي أيضًا ما يُدار في الخفاء ويُترجم لاحقًا في قرارات تبدو وكأنها مفاجئة. ومن هذا المنطلق، تكتسب هذه الأحاديث أهميتها، لأنها تحاول استباق ما يُطبخ خلف الأبواب المغلقة.

الأسئلة التي تتردد اليوم ليست بريئة: من سيبقى في مجلس النواب؟ من سيغادر نحو مجلس المستشارين؟ من سيعيد تموقعه خارج الحقل السياسي نحو عالم الأعمال؟ ومن سيغامر بوجه جديد في ساحة انتخابية تعرف تقلبات مزاج الناخبين؟ هذه الأسئلة تعكس إدراكًا بأن السياسة لم تعد مجرد التزام إيديولوجي، بل أصبحت في كثير من الأحيان مجالاً لإعادة التموضع وفق حسابات دقيقة، حيث تختلط المصالح بالتحالفات، وتذوب الحدود بين الفاعل الاقتصادي والفاعل السياسي.

ولعل ما يزيد من تعقيد المشهد هو احتمال عودة ظاهرة الترحال السياسي، التي لطالما أفرغت الانتماء الحزبي من مضمونه، وحولته إلى أداة تكتيكية. هنا يستحضر المرء قول ماكس فيبر: “السياسة هي السعي إلى السلطة أو التأثير في توزيعها”، وهو تعريف يبدو أكثر انطباقًا على واقع تتحرك فيه النخب بين الأحزاب كما لو كانت تعيد ترتيب أوراقها في لعبة مفتوحة على كل الاحتمالات.

غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في الأسماء، بل في قدرة الأحزاب على الحفاظ على تماسكها الداخلي واستمرارية خطابها السياسي. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن قوة الأحزاب لا تُقاس فقط بعدد مقاعدها، بل بمدى قدرتها على إنتاج المعنى وإقناع الناخبين. وفي هذا الصدد، يذكرنا أنطونيو غرامشي بأن “الهيمنة لا تقوم فقط على القوة، بل على القدرة على بناء توافق فكري وأخلاقي داخل المجتمع”، وهو ما يطرح تحديًا حقيقيًا أمام الفاعلين السياسيين في الداخلة، حيث لم يعد الناخب يكتفي بالشعارات، بل يبحث عن جدوى ملموسة للتمثيل السياسي.

وبين هذا وذاك، تبقى المقاهي فضاءً كاشفًا لنبض الشارع، حتى وإن اختلط فيه التحليل بالتخمين. فهي تعبر عن قلق جماعي مشروع: هل نحن أمام إعادة إنتاج نفس الوجوه بنفس الآليات، أم أن هناك دينامية جديدة قادرة على كسر الرتابة السياسية؟ هل ستبقى الزعامات التقليدية مهيمنة، أم أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية ستفرز نخبًا جديدة أكثر التصاقًا بانتظارات المواطنين؟

في النهاية، قد لا تملك المقاهي الإجابة الحاسمة، لكنها تملك ما هو أهم: القدرة على طرح الأسئلة التي يتجنبها الخطاب الرسمي. وفي السياسة، أحيانًا، تكون الأسئلة أكثر أهمية من الأجوبة، لأنها تكشف ما يُراد له أن يبقى في الظل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة