في سماءٍ مشتعلة فوق أصفهان، لا شيء يبدو كما يُروى. دخانٌ يتصاعد من حطام طائرات، وبيانات متضاربة تُكتب على عجل، بينما الحقيقة—كعادتها في زمن الحروب—تتوارى خلف روايتين لا تلتقيان.
القصة تبدأ من طيار أمريكي، سقطت مقاتلته يوم الجمعة في ظروف غامضة، لتتحول حادثة عسكرية إلى سباق مع الزمن. في واشنطن، خرج الرئيس دونالد ترامب ليصف ما جرى بأنه “واحدة من أجرأ عمليات البحث والإنقاذ”، مؤكداً أن الطيار—وهو عقيد يحظى باحترام واسع—عاد سالماً.
لكن، على الطرف الآخر، كانت طهران تكتب رواية مختلفة تماماً.
مقر خاتم الأنبياء، الذراع العملياتي للقوات المسلحة الإيرانية، أعلن أن ثلاث طائرات أمريكية اخترقت أجواء جنوب أصفهان: مروحيتان من طراز “بلاك هوك” وطائرة نقل عسكرية “C-130”. الرواية الإيرانية لا تتحدث عن إنقاذ ناجح، بل عن طائرات أصيبت وتشتعل فيها النيران، وعن عملية انتهت بالفشل.
الصور التي بثها الإعلام الإيراني زادت المشهد تعقيداً: حطام متفحم متناثر في الصحراء، وأعمدة دخان ترتفع في صمت ثقيل، كأنها تروي قصة لم تكتمل بعد.
في الخلفية، تتسع دائرة الغموض. وكالة “تسنيم” تحدثت عن سقوط خمسة قتلى في جنوب غرب إيران، دون تحديد هوياتهم، بينما كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الجيش الأمريكي اضطر إلى تدمير طائرتين تابعتين له داخل الأراضي الإيرانية، حتى لا تقع في أيدي خصومه.
عملية استمرت 48 ساعة، بحسب الصحيفة، وُصفت بأنها من بين الأكثر تعقيداً في تاريخ العمليات الخاصة الأمريكية. سباق محموم، ليس فقط لإنقاذ طيار، بل لمنع تحول الحادثة إلى ورقة استخباراتية في يد الخصم.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. إيران أعلنت أيضاً إسقاط طائرة مسيرة من طراز “هيرميس 900”، لترفع عدد المسيّرات التي تقول إنها أسقطتها منذ أواخر فبراير إلى أكثر من 160 طائرة. رقم، إن صحّ، فهو ليس مجرد إحصاء… بل رسالة.
في النهاية، نحن أمام مشهد تتداخل فيه الوقائع بالدعاية، والحقائق بالرسائل السياسية. واشنطن تتحدث عن نجاح بطولي، وطهران تعلن إسقاطاً مدوياً. وبين الروايتين، تبقى السماء وحدها شاهدة على ما حدث فعلاً.
أما السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل نحن أمام حادث عابر… أم فصل جديد في مواجهة مفتوحة تُكتب تفاصيلها بالنار؟













