بين وعي المجتمع ومهارة السياسي… الانتخابات بالداخلة في مرآة السوسيولوجيا السياسية

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
بين وعي المجتمع ومهارة السياسي… الانتخابات بالداخلة في مرآة السوسيولوجيا السياسية

“السياسة ليست فن قول الحقيقة، بل فن توظيفها في اللحظة المناسبة.”

في المشهد السياسي، لا يتحرك الفاعل الحزبي اعتباطًا، بل يقرأ الواقع كما يقرأ البحّار خرائط الطقس وتقلبات البحر. فكما لا يُغامر البحّار بولوج البحر حين تعلو أمواجه، لا يغامر السياسي بخوض معركة انتخابية دون أن يقيس نبض المجتمع، ويستشعر مزاجه العام، ويحدد نقاط ضعفه وقوته. من هنا، تصبح المشاريع الاجتماعية، والخطابات الموجهة، أدوات لتهيئة “مناخ انتخابي” ملائم، أكثر منها تعبيرًا صادقًا عن التزام اجتماعي طويل الأمد.
في جهة الداخلة وادي الذهب، تتخذ هذه القاعدة بعدًا أكثر تعقيدًا. فالنسيج الاجتماعي هنا يتسم بخصوصيات قبلية ومجالية، تتداخل فيها العلاقات الاجتماعية مع المصالح الاقتصادية، ويصبح الفعل السياسي امتدادًا لشبكة من التوازنات الدقيقة. لذلك، فإن المشاريع الاجتماعية التي تُطرح قبيل الانتخابات لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها استجابة لحاجيات السكان، بل يجب تحليلها ضمن منطق “الاستثمار السياسي في الهشاشة”، حيث تتحول الحاجة إلى أداة تعبئة، ويغدو الدعم الاجتماعي مدخلًا لبناء الولاءات الانتخابية.

الناخب في الداخلة ليس كتلة صماء، بل هو فاعل اجتماعي يتأرجح بين منطق الحاجة ومنطق الوعي. فمن جهة، تدفعه الظروف الاقتصادية والاجتماعية إلى البحث عن من يوفر له حلولًا آنية، ولو كانت ظرفية، ومن جهة أخرى، بدأ يتشكل وعي متنامٍ، خاصة لدى فئات الشباب والطبقة المتعلمة، التي باتت أكثر تشككًا في الوعود الانتخابية، وأكثر ميلًا إلى مساءلة الخطاب السياسي. غير أن الفجوة بين ما يُقال وما يُنجز تظل واسعة، وهو ما يعمق أزمة الثقة، ويجعل الناخب في موقع حيرة دائمة بين التجربة السابقة والأمل في التغيير.

في هذا السياق، يظهر السياسي كفاعل براغماتي بامتياز، لا يتحرك بمنطق المثاليات بقدر ما يخضع لحسابات الربح والخسارة. فهو يوجه خطابه وفق طبيعة الجمهور، ويعيد تشكيل أولوياته بحسب المزاج العام، وقد لا يتردد في استثمار الهشاشة أو استغلال ضعف الوعي لدى بعض الفئات لتحقيق هدفه. وهنا، يتحول المواطن غير الواعي إلى مجرد وسيلة في معادلة انتخابية، بدل أن يكون شريكًا فعليًا في صناعة القرار، وهو ما يؤدي إلى إعادة إنتاج نفس النخب ونفس الاختلالات.

أما المشاريع الاجتماعية، فرغم أهميتها في تحسين شروط العيش، فإنها حين تُربط بسياق انتخابي ضيق، تفقد بعدها الاستراتيجي، وتتحول إلى آلية للاستمالة أكثر منها أداة للتنمية. وفي فضاء مثل الداخلة، حيث تتداخل الاعتبارات الاجتماعية مع الجغرافيا السياسية، يصبح توجيه هذه المشاريع خاضعًا أحيانًا لمنطق انتخابي، لا لمنطق العدالة المجالية، وهو ما يعمق الفوارق بدل أن يحد منها.

إن الانتخابات النيابية القادمة بالداخلة لا تختبر فقط قوة الأحزاب أو قدرة المرشحين على التعبئة، بل تختبر بالأساس مستوى الوعي الجماعي، وقدرة الناخب على التمييز بين الخطاب والفعل، بين المشروع الحقيقي والوعد الظرفي. فالتحول الديمقراطي لا يُقاس فقط بتعدد المرشحين، بل بمدى نضج الاختيار الانتخابي، وبتحول المواطن من متلقٍ سلبي إلى فاعل ناقد ومسؤول.

إذا كان السياسي يقرأ المجتمع ليصل إلى المنصب، فهل أصبح المجتمع قادرًا على قراءة السياسي قبل أن يمنحه صوته؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة