الأقاليم الجنوبية للمملكة أمام اختبار الوعي: صوت اليوم يصنع مستقبل الغد”

هيئة التحريرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
الأقاليم الجنوبية للمملكة أمام اختبار الوعي: صوت اليوم يصنع مستقبل الغد”

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تعود نفس الأسئلة الكبرى لتفرض نفسها على واقع الأقاليم الجنوبية للمملكة: من نختار؟ ولماذا؟ وهل نعيد إنتاج نفس التجارب، أم نفتح الباب أمام مرحلة جديدة تستجيب لتطلعات الساكنة وانتظاراتها المتزايدة؟
بحكم تجربة ميدانية تمتد لأزيد من عقدين في متابعة الشأن المحلي، ومعايشة تفاصيل عدد كبير من المحطات الانتخابية بهذه الأقاليم، يمكن القول إن الانتخابات لم تعد مجرد موعد دوري لاختيار ممثلين، بل أصبحت لحظة حاسمة لتقييم المسار وتصحيح الاختلالات. فالأقاليم الجنوبية للمملكة، التي عرفت خلال السنوات الأخيرة دينامية تنموية متسارعة، تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى نخب قادرة على مواكبة هذا التحول، والدفاع بجدية ومسؤولية عن قضايا الساكنة.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في نسبة المشاركة، بل في جودة الاختيار. الناخب، سواء كان شابًا يخطو أولى خطواته في الممارسة الديمقراطية، أو مواطنًا راكم تجربة في التصويت، مدعو إلى التوقف مليًا قبل وضع صوته في الصندوق. فصوت واحد قد يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة يساهم في رسم ملامح المرحلة المقبلة، ويحدد طبيعة التمثيلية داخل المؤسسات المنتخبة.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن الاختيارات غير المدروسة تفرز أحيانًا نخبًا لا تعكس تطلعات الساكنة، ولا تنجح في الدفاع عن قضاياها الحيوية، بل قد تنقطع عن التواصل مع المواطنين بمجرد انتهاء الحملات الانتخابية. وهذا ما لا تحتمله المرحلة الحالية، التي تتطلب فاعلين ميدانيين، قريبين من الناس، قادرين على الإنصات، والتفاعل، والمرافعة الجادة من داخل المؤسسات.
وفي هذا السياق، يبرز دور الشباب بشكل خاص، ليس فقط ككتلة ناخبة وازنة، بل كقوة اقتراحية قادرة على تغيير المعادلة. فالشباب الذي يعيش تحديات الشغل، والتكوين، والاندماج، هو الأقدر على التمييز بين الخطاب الواقعي والخطاب المناسباتي. ومن هنا، فإن مشاركته الواعية تعد عنصرًا حاسمًا في تجديد النخب وضخ دماء جديدة في المشهد المحلي.
أما بخصوص المنتخبين الذين تنتهي فترة انتدابهم، فإن منطق المحاسبة لا يجب أن يتحول إلى تصفية حسابات أو أحكام قاسية، بل إلى تقييم موضوعي للتجربة. فمن قدم ما لديه بإخلاص يُشكر، ومن لم يوفق فذلك جزء من طبيعة العمل العام. لكن في حال تجديد الثقة، فإن المسؤولية تصبح مضاعفة: تجديد في أسلوب العمل، في طرق التواصل، وفي فهم انتظارات الساكنة التي لم تعد تقبل بالوعود الفضفاضة أو المقاربات التقليدية.
المرحلة المقبلة تفرض على الجميع، ناخبين ومرشحين، الارتقاء بمستوى الوعي السياسي. لم يعد مقبولًا أن تُبنى الاختيارات على اعتبارات ضيقة أو علاقات ظرفية، بل على الكفاءة، والمصداقية، والقدرة على الإنجاز. فالأقاليم الجنوبية للمملكة ليست مجرد مجال جغرافي، بل مشروع تنموي كبير، يحتاج إلى من يحمله بصدق وإخلاص.
في النهاية، تبقى الانتخابات فرصة، إما أن نُحسن استثمارها فنفتح آفاقًا جديدة للتنمية والعدالة المجالية، أو نُهدرها فنعود إلى نقطة الصفر. والاختيار، في كل الأحوال، يظل بيد المواطن… فإما أن يصنع الفارق، أو يترك الآخرين يقررون عنه.

الدكتور بكار الدليمي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة