حين يتحرك الملف بهدوء: الصحراء في قلب مشاورات جنيف

هيئة التحريرمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
حين يتحرك الملف بهدوء: الصحراء في قلب مشاورات جنيف

في جنيف، لا تُقاس أهمية اللقاءات بعدد البيانات الصادرة عنها، بل بما يُقال خلف الأبواب المغلقة. هناك، حيث تفضّل الدبلوماسية أن تعمل بصوت منخفض، اختُتمت مساء الثلاثاء الخلوة السنوية للأمين العام للأمم المتحدة، في لحظة دولية مثقلة بالملفات، لكنها مشدودة على نحو خاص إلى نزاع الصحراء.

من 18 إلى 20 يناير، اجتمع أنطونيو غوتيريش بمبعوثه الشخصي للنزاع، ستافان دي ميستورا، والممثل الخاص ورئيس بعثة المينورسو ألكسندر إيفانكو، إلى جانب عدد من كبار مسؤولي وكالات الأمم المتحدة. على الطاولة، عناوين كبرى: السلم والأمن الدوليان، مستقبل عمليات حفظ السلام، وتقييم أداء المبعوثين في نزاعات وُصفت داخل أروقة المنظمة بأنها “مزمنة”، استعصت على الحل أكثر مما ينبغي.

لكن بين سطور هذا الاجتماع، كان ملف الصحراء حاضرًا بثقله الكامل. حضور لا تصنعه البيانات الرسمية، بل تفرضه التطورات المتسارعة في الكواليس. فالنزاع الذي طال أمده يبدو اليوم وكأنه يدخل مرحلة مختلفة، تتحرك ببطء، لكن بثبات.
هذا التحرك الهادئ تقوده، إلى حد بعيد، الولايات المتحدة الأمريكية. حركية دبلوماسية غير صاخبة، تهدف إلى تهيئة الأرضية لجولات مشاورات مرتقبة تشمل الأطراف المعنية بالنزاع: المغرب، الجزائر، موريتانيا، وجبهة البوليساريو. ووفق معطيات متداولة، يواصل دي ميستورا تنسيقًا وثيقًا مع واشنطن لإجراء مشاورات غير معلنة، تسبق أي لقاء رسمي جامع.

الرهان، هذه المرة، لا يبدو محصورًا في عقد اجتماع جديد بقدر ما يتركز على شكله ومضمونه. أين يُعقد؟ بمن يُعقد؟ وعلى أي أساس؟ أسئلة بسيطة في ظاهرها، لكنها تختصر سنوات من التعثر، ومحاولات لم تنجح في تجاوز منطق إدارة النزاع إلى منطق حله.

متابعون للملف يرون أن الإصرار الأمريكي على الدفع نحو حل عاجل فرض إيقاعًا مغايرًا، وضع الأمانة العامة للأمم المتحدة أمام اختبار حقيقي. فالعالم، في ظل تعدد بؤر التوتر، لم يعد يحتمل نزاعات مجمّدة تُدار بالحد الأدنى من الجهد السياسي. المطلوب اليوم، كما يقول أحد الدبلوماسيين، هو “حل قابل للتنفيذ، لا مجرد صيغة أنيقة على الورق”.

تصريحات تشير إلى أن المرحلة المقبلة قد تمثل بداية مسار تفاوضي جديد، قائم على الواقعية السياسية، مع تركيز متزايد على آليات التنفيذ بدل إعادة النقاش حول المرجعيات. مسار تحظى خطوطه العامة بدعم دولي متنامٍ، يسعى إلى تسوية تدريجية ومنظمة، تضمن الاستقرار الإقليمي، وتُخرج الملف من دائرة الانتظار المفتوح.

في جنيف، لم تُعلن اختراقات كبرى، ولم تُرفع شعارات. لكن في عالم السياسة الدولية، أحيانًا يكون الهدوء علامة على أن الأمور تتحرك فعلًا. فحين يختار الملف أن يتحرك بلا ضجيج، فهذا غالبًا لأن الحسابات أصبحت أدق… والوقت أضيق.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة