ابن كيران ورهان “العقلانية الإصلاحية”: بين نقد الاختلالات واستعادة المعنى السياسي

هيئة التحريرمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
ابن كيران ورهان “العقلانية الإصلاحية”: بين نقد الاختلالات واستعادة المعنى السياسي

في لحظة سياسية تتسم بتداخل الأسئلة حول جدوى الفعل الحزبي وحدود الإصلاح الممكن، يعود عبد الإله ابن كيران إلى الواجهة بخطاب يستدعي مفردات “العقلانية” و“الإصلاح”، لا بوصفهما شعارات ظرفية، بل كخيار وجودي لحزب يرى نفسه في مواجهة أعطاب بنيوية تتجاوز اللحظة الانتخابية.

فخلال كلمته أمام اللجنة المركزية لإعداد البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية، قدّم ابن كيران تصورًا للإصلاح يقوم على فكرة أساسية: أن الفاعل السياسي ليس مجرد معلق على الواقع، بل مطالب بأن يكون عنصر تصحيح حين يختل التوازن، وأن يتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية في الآن ذاته.

ومن هذا المنطلق، شدد على ضرورة أن يظل الحزب “معقولًا”، أي منضبطًا لمنطق الدولة ومصالح المجتمع، حتى في سياقات يغري فيها الخطاب الشعبوي بالانزلاق نحو التبسيط أو المزايدة.

غير أن هذا “التعقل” الذي يدعو إليه ابن كيران لا ينفصل عن وعيه بوجود اختلالات عميقة، من أبرزها ما سماه “التحكم”، باعتباره ظاهرة ممتدة في مختلف المجالات. وهو تشخيص لا يخلو من حمولة سياسية، إذ يعكس إدراكًا بحدود الفعل الحكومي داخل بنية معقدة، حيث تتقاطع الإرادات وتتنازع مراكز التأثير. ومع ذلك، يصرّ الرجل على أن التجربة الحكومية السابقة لحزبه لم تكن خالية من منجزات، بل استطاعت، رغم القيود، أن تحقق بعض المكتسبات لصالح الدولة والمجتمع.

في هذا السياق، يطرح ابن كيران سؤال الإصلاح لا كإمكان نظري، بل كرهان عملي يتطلب تراكمًا في “الأصوات المعقولة”، أي تلك التي ترفض تمرير الفساد أو التواطؤ معه، حتى وإن وجدت نفسها داخل ما سماه “البوتقة”. إنها دعوة لإعادة بناء الفعل السياسي على أساس أخلاقي، يعيد الاعتبار للتمييز بين الممكن والمطلوب، دون الوقوع في وهم القطيعة الشاملة أو الاستسلام لمنطق الأمر الواقع.

ولعل اللافت في الخطاب هو امتداده الزمني؛ إذ لا يحصر ابن كيران المشروع الإصلاحي في أفق انتخابي ضيق، بل يربطه بمسار طويل يمتد إلى ما بعد 2026 و2030، في محاولة لإضفاء نفس استراتيجي على الفعل الحزبي، يتجاوز منطق الربح والخسارة الآنية.

وفي ختام مداخلته، يعود الأمين العام لحزب العدالة والتنمية إلى سؤال المشاركة السياسية، داعيًا إلى الانخراط المبكر في العملية الانتخابية، من خلال تسجيل المواطنين في اللوائح وتحفيزهم على التصويت. وهي دعوة تعكس، في عمقها، إيمانًا بأن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق خارج الفضاء الديمقراطي، مهما كانت حدوده أو اختلالاته.

بهذا المعنى، لا يقدم خطاب ابن كيران إجابات جاهزة بقدر ما يعيد صياغة الأسئلة الكبرى: كيف يمكن للفعل السياسي أن يستعيد معناه في سياق متحول؟ وكيف يمكن للعقلانية أن تصمد أمام إغراءات الشعبوية وضغوط الواقع؟ إنها أسئلة تظل مفتوحة، بقدر ما تعكس تعقيد التجربة السياسية المغربية في راهنها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة