الداخلة: المنتدى الأطلسي الاقتصادي والمواطنة FAEC يطلق أولى محطاته التواصلية برئاسة أحمد بابا أعمار

هيئة التحريرمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
الداخلة: المنتدى الأطلسي الاقتصادي والمواطنة FAEC يطلق أولى محطاته التواصلية برئاسة أحمد بابا أعمار

الساحل بريس / الصغير محمد

احتضنت مدينة الداخلة اللقاء التواصلي الأول للمنتدى الأطلسي الاقتصادي والمواطنة (FAEC)، برئاسة السيد أحمد بابا أعمار، في خطوة تُؤشر على بداية مسار جديد يروم الانتقال من منطق المبادرات المتفرقة إلى منطق بناء رؤية مشتركة حول قضايا التنمية بالجهة، في سياق تتقاطع فيه التحولات الاقتصادية الكبرى مع أسئلة السياسة والمجتمع والثقافة.

ويأتي هذا اللقاء في إطار منهجية عمل المنتدى، التي تسعى إلى وضع أرضية اشتغال واضحة للمرحلة المقبلة، عبر طرح مجموعة من المواضيع ذات الأولوية، وتحديد القضايا التي سيشتغل عليها المنتدى مستقبلاً، من خلال مقاربة تعتبر أن التنمية ليست مجرد تراكم للمشاريع، بل هي أيضاً بناء للمعنى، وتحديد للأولويات، وصناعة للقرار على قاعدة الحوار والتشاور.

وقد جمع هذا اللقاء مؤسسات من القطاع العام، ممثلة في المصالح الخارجية والإدارات العمومية، إلى جانب مؤسسات من القطاع الخاص، في لحظة تزداد فيها الحاجة إلى تفعيل قنوات التنسيق بين الفاعلين، ليس فقط لضمان نجاعة الاستثمار والبرامج، بل أيضاً لخلق نوع من “العقل الجهوي” القادر على قراءة التحولات وتوقع آثارها الاجتماعية والاقتصادية.

وتكتسي جهة الداخلة وادي الذهب خصوصية مركبة، فهي ليست مجرد مجال ترابي يخضع لمنطق التدبير الإداري، بل هي فضاء تتنازع فيه أسئلة الجغرافيا والسيادة والتنمية، وتُختبر فيه قدرة الدولة والمجتمع على تحويل الموقع الاستراتيجي إلى فرصة تاريخية، بدل أن يتحول إلى عبء أو إلى مجال تتقدم فيه المشاريع أسرع من قدرة الإنسان المحلي على مواكبتها.

وفي هذا السياق، تبرز جهة الداخلة وادي الذهب كواجهة مغربية أطلسية بإطلالة بحرية مهمة، وكحلقة وصل بين الشمال والعمق الإفريقي، بما يجعلها مؤهلة للقيام بأدوار اقتصادية جديدة، خصوصاً في ظل المشاريع الكبرى التي تعرفها، وعلى رأسها مشروع الميناء الأطلسي الذي يُرتقب أن يعيد تشكيل تموقع الداخلة داخل سلاسل التجارة الدولية، وأن يمنحها وظيفة لوجستية متقدمة تتجاوز حدود الجهة نحو الفضاء الإفريقي الأطلسي.
غير أن المشاريع، مهما بلغت ضخامتها، لا تُنتج التنمية تلقائياً. فالتنمية ليست مجرد بنية تحتية أو منشأة اقتصادية، بل هي أساساً قدرة المجتمع على تحويل الاستثمار إلى فرص، وتحويل التحول إلى عدالة، وتحويل النمو إلى تماسك اجتماعي. ومن هنا تبرز أهمية المنتدى الأطلسي الاقتصادي والمواطنة كإطار يروم إدخال المعرفة والخبرة الأكاديمية في صلب النقاش العمومي، وتمكين الباحثين والخبراء والأكاديميين من التباحث في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وتقديم مقترحات واقعية قابلة للتنفيذ.

ويُفهم من روح هذا اللقاء أن المنتدى لا يهدف إلى منافسة المؤسسات أو تعويضها، بل إلى خلق مساحة تكميلية تساعد على قراءة التحديات بعمق أكبر، خصوصاً أن جهة الداخلة وادي الذهب تواجه، إلى جانب رهانات الاقتصاد، تحديات سياسية وثقافية واجتماعية، تتصل بسؤال الهوية، وبالتحولات السريعة التي يعرفها المجال، وبضرورة ضمان التوازن بين الاستثمار وبين الحفاظ على الخصوصية المحلية، وبين الانفتاح وبين حماية النسيج الاجتماعي.

لقد كشف هذا اللقاء، من خلال طبيعته وتركيبته، عن رغبة في تأسيس أسلوب جديد في الاشتغال الجهوي، يقوم على الربط بين الإدارة والقطاع الخاص والخبرة، وعلى تحويل النقاش حول التنمية من مجرد لغة تقنية إلى لغة سياسية ومجتمعية، لأن التنمية، في نهاية المطاف، ليست مجرد أرقام تُسجل، بل هي شروط حياة تُبنى، وكرامة تُصان، ومواطنة تُنتج.

وإذا كانت الداخلة اليوم تُقدم باعتبارها بوابة المغرب نحو إفريقيا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في فتح البوابة، بل في تحديد ما الذي سيعبر منها: هل سيعبر منها اقتصاد منتج للثروة محلياً؟ أم مجرد حركة رأسمال عابرة؟ هل ستعبر منها فرص تشغيل حقيقية للشباب؟ أم ستعبر منها مشاريع لا تترك سوى آثارها الإسمنتية؟ وهل ستتحول الداخلة إلى نموذج تنموي متوازن، أم إلى مدينة تتسع عمرانياً بينما تتقلص أسئلة العدالة الاجتماعية في الهامش؟

إن انعقاد اللقاء التواصلي الأول للمنتدى الأطلسي الاقتصادي والمواطنة FAEC برئاسة السيد أحمد بابا أعمار، يضع الجهة أمام إمكانية جديدة: إمكانية تحويل النقاش إلى قوة اقتراح، وتحويل المعرفة إلى أداة للتخطيط، وتحويل التعدد في الفاعلين إلى تكامل بدل التنازع. وهي بداية مسار لا يكتمل ببلاغ أو لقاء، بل بتراكم عملٍ منهجيّ يربط بين التفكير والواقع، وبين المشاريع والإنسان، وبين الأطلسي كجغرافيا، والمواطنة كشرط سياسي واجتماعي لا غنى عنه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة