في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية العالمية وتشتد المنافسة على استقطاب الاستثمارات الصناعية الكبرى، يجد المغرب نفسه في قلب نقاش أوروبي متنامٍ بشأن تنامي الحضور الصناعي الصيني فوق أراضيه، في مشهد يعكس التحولات العميقة التي تعرفها سلاسل الإنتاج والتوريد المرتبطة بالأسواق الأوروبية.
وأثارت الطفرة المتسارعة للاستثمارات الصينية بالمملكة اهتماماً متزايداً داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، خاصة مع توسع نشاط الشركات الصينية في قطاعات استراتيجية، على رأسها صناعة السيارات ومكوناتها، وهو ما دفع عدداً من الأوساط الأوروبية إلى التساؤل حول تداعيات هذا التموقع الصناعي الجديد على التوازنات التجارية والصناعية داخل الفضاء الأوروبي.
وتُعد مدينة محمد السادس “طنجة تيك” من أبرز تجليات هذا الحضور الاقتصادي، حيث تحولت إلى منصة صناعية واعدة تستقطب استثمارات صينية متخصصة في إنتاج مكونات السيارات والبطاريات الموجهة لسوق المركبات الكهربائية، مستفيدة من موقع المغرب الاستراتيجي وقربه الجغرافي من أوروبا.
ويرى عدد من المسؤولين والخبراء الأوروبيين أن جزءاً من هذه الاستثمارات يندرج ضمن توجه أوسع لإعادة تموقع بعض الأنشطة الصناعية الصينية خارج الصين، مع توجيه جانب من الإنتاج نحو الأسواق الأوروبية، وهو ما تعتبره مؤسسات أوروبية ملفاً بالغ الحساسية في ظل اشتداد المنافسة الدولية على الصناعات المستقبلية.
وتأتي هذه المخاوف بالتزامن مع تشديد الاتحاد الأوروبي لإجراءاته التجارية الحمائية، بعدما أقر رسوماً جمركية إضافية على السيارات الكهربائية الصينية ووسع نطاق تحقيقاته المتعلقة بالدعم الحكومي وقواعد المنافسة التجارية.
في المقابل، يواصل المغرب تعزيز جاذبيته كوجهة صناعية واستثمارية بفضل مجموعة من المقومات، من بينها اتفاقيات التبادل الحر، والبنية التحتية اللوجستية المتطورة، والموقع الجغرافي الذي يجعله جسراً اقتصادياً بين إفريقيا وأوروبا.
وتؤكد السلطات المغربية أن الاستثمارات الأجنبية، بما فيها الصينية، تندرج ضمن رؤية وطنية تستهدف تطوير القاعدة الصناعية للمملكة، وتعزيز الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وخلق فرص الشغل، مع الالتزام بالقوانين الدولية وقواعد المنشأ المعتمدة في المبادلات التجارية.
وبينما تنظر الرباط إلى هذه الدينامية باعتبارها فرصة لترسيخ مكانة المغرب كقطب صناعي إقليمي صاعد، يعتقد مراقبون أوروبيون أن استمرار توسع الاستثمارات الصينية بالمملكة قد يفرض على الاتحاد الأوروبي إعادة تقييم بعض سياساته التجارية والصناعية، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالتحول الطاقي وصناعة السيارات الكهربائية خلال السنوات المقبلة.













