وداع هادئ… ورسائل ساخنة في سطور أخنوش الأخيرة

هيئة التحريرمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
وداع هادئ… ورسائل ساخنة في سطور أخنوش الأخيرة

اختتم عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، أشغال المؤتمر الاستثنائي للحزب بمدينة الجديدة، بكلمة بدت في ظاهرها هادئة ومتوازنة، لكنها حملت في عمقها رسائل سياسية “ساخنة” تتجاوز حدود التنظيم، وتمتد إلى معنى القيادة، ومفهوم الاستمرارية، وحدود الفعل الحزبي في لحظة مغربية دقيقة.

لم يأت خطاب أخنوش كخطاب انتصار، ولا كخطاب اعتذار، بل كخلاصة تجربة. رجلٌ قرر أن يغادر واجهة القيادة من دون صخب، وأن يضع مساره السياسي في إطار سردية شخصية تُعيد تقديم السياسة كمسؤولية قبل أن تكون صراعًا، وكالتزام اجتماعي قبل أن تكون حسابات انتخابية.

وفي استحضاره لتجربته داخل الحقل السياسي، تحدث أخنوش عن محطات متعددة بين النجاح والتحدي، مؤكّدًا أن التزامه ظل مرتبطًا بما سماه الصدق وخدمة الصالح العام. وهو اختيار لغوي ليس بريئًا، لأنه يضع الرجل في موقع من يريد أن يترك “تقييمًا أخلاقيًا” لمساره، لا مجرد تبرير سياسي أو تنظيمي.

وقد ركّز أخنوش على محاربة الفقر والهشاشة باعتبارها جوهر السياسة، وهي رسالة تحمل دلالتين: الأولى، تقديم نفسه كفاعل سياسي مرتبط بالقضايا الاجتماعية الكبرى، والثانية، تذكير المناضلين بأن الحزب لا يمكنه الاستمرار من دون مشروع اجتماعي يلامس حياة الناس، لا فقط من دون ماكينة تنظيمية أو خطاب تعبوي.

وفي لحظة محورية من كلمته، ربط أخنوش المسؤولية بالأخلاق والعمل الجاد، مستحضرًا القيم التي نشأ عليها. هنا، يتحول الخطاب من مجرد حديث عن الحزب إلى محاولة لصناعة معنى أوسع للسياسة، وكأن الرجل يريد أن يقول: إن القيادة ليست امتيازًا، بل امتحان يومي، وإن الحزب لا يمكن أن يستقيم إن انفصلت السياسة فيه عن البعد القيمي.

أما الرسالة الأكثر وضوحًا، فكانت تلك المتعلقة بتسليم قيادة الحزب. فقد أكد أخنوش أن انتقال القيادة يتم في ظروف “مطمئنة”، وبثقة في قدرات التنظيم وكفاءات مناضلاته ومناضليه. غير أن هذا الاطمئنان، في السياسة، ليس مجرد طمأنة عاطفية، بل إعلان عن رغبة في التحكم في شكل الانتقال، وتفادي أي ارتجاج داخلي قد يفتح الباب أمام صراعات المواقع.

في المقابل، لم يغب البعد الوطني عن خطاب أخنوش، إذ وجّه شكره لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، معتبرًا أن التوجيهات الملكية تشكل إطارًا ديمقراطيًا يسمح للأحزاب بممارسة مهامها في خدمة الوطن والاستقرار. وهي فقرة تحمل رسالتين متداخلتين: الأولى، التأكيد على أن العمل الحزبي لا يُفهم خارج الإطار المؤسساتي للدولة، والثانية، تقديم الاستقرار كشرط أساسي لأي إصلاح، في وقت تعرف فيه المنطقة توترات وتحولات متسارعة.

واختتم أخنوش كلمته بدعوة أعضاء الحزب إلى الاستمرار في الالتزام والعمل الجاد تحت التوجيهات الملكية، لضمان مواصلة الإصلاح وتعزيز التواصل مع المجتمع. دعوة تبدو في ظاهرها تنظيمية، لكنها في عمقها تضع الحزب أمام امتحان مزدوج: امتحان الحفاظ على تماسكه الداخلي، وامتحان تجديد علاقته بالمجتمع، في مرحلة تتطلب خطابًا أقرب إلى المواطنين، وأكثر قدرة على استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية.

في النهاية، لم يكن خطاب أخنوش مجرد كلمة ختامية لمؤتمر استثنائي، بل كان محاولة لصياغة “نهاية سياسية” محسوبة. وداع هادئ في الشكل، لكنه محمّل برسائل ساخنة في المضمون: عن القيادة، وعن الاستمرارية، وعن الحزب بعد الرجل، وعن السياسة حين تُقدَّم كسيرة ذاتية، لا كمعركة يومية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة