الساحل بريس / الصغير محمد
في مباراة تجاوزت بعدها الرياضي إلى ما هو رمزي وتاريخي، هزم المنتخب المغربي نظيره الكاميروني بهدفين دون رد، ليبلغ نصف نهائي كأس أمم إفريقيا، ويوقّع واحدة من أهم محطاته القارية، ليس فقط بحكم النتيجة، بل بما حملته من دلالات ثقيلة ظلت تؤرق الكرة المغربية لعقود.
المواجهة لم تكن عادية، فالكاميرون كانت دائمًا أكثر من خصم، كانت عقدة متراكمة، وميزان قوة مختل في الذاكرة الإفريقية، وحاجزًا نفسيًا اصطدم به المغاربة مرارًا. لكن هذا المنتخب دخل اللقاء بعقل بارد، وهدوء الواثق، ومنهجية تعرف متى تضغط ومتى تنتظر، دون اندفاع أو ارتباك. كان المغرب حاضرًا ذهنيًا قبل أن يكون حاضرًا بدنيًا، يقرأ المباراة بدل أن يطاردها.
وجاء الهدف الأول في الشوط الأول بتوقيع براهيم دياز تتويجًا لهذا الوعي الجماعي، هدف لم يكن مجرد تقدم في النتيجة، بل لحظة كسر أول لجدار تاريخي صلب. هدف أربك الكاميرون، وأراح المغرب، وفتح المباراة على إيقاع مغربي خالص، حيث أصبح التحكم في النسق هو العنوان الأبرز.
في الشوط الثاني، حاول المنتخب الكاميروني العودة إلى المباراة، مدفوعًا بتاريخه وخبرته، غير أنه اصطدم بدفاع مغربي منظم، وبخط وسط عرف كيف يقتل اندفاع الخصم بالتمركز والتمرير الذكي. ومع مرور الوقت، تحولت الأفضلية إلى ثقة، والثقة إلى حسم، حين سجل إسماعيل صيباري الهدف الثاني، هدف أنهى الجدل، وأغلق المباراة قبل أن تدخل منطقة الحسابات المعقدة.
بهذا الفوز، لا يكتفي المغرب بالتأهل إلى نصف النهائي، بل يحقق جملة من المكاسب التاريخية دفعة واحدة: أول انتصار رسمي له على الكاميرون في كأس أمم إفريقيا، وأول فوز مغاربي على هذا المنتخب في تاريخ البطولة، وكسر عقدة ربع النهائي التي رافقت أسود الأطلس منذ 22 سنة. كما يسجل حضوره في المربع الذهبي للمرة السادسة في تاريخه بعد أعوام 1976 و1980 و1986 و1988 و2004 و2025، في مسار يؤكد أن هذا الجيل يكتب صفحته الخاصة بثبات ودون ضجيج.
هذا المغرب لا يلعب تحت ضغط الماضي، بل فوقه. منتخب يراكم التجربة، ويؤمن بالمشروع، ويجمع بين الصرامة التكتيكية والجرأة الهجومية، منتخب لا ينتظر أخطاء خصمه بل يصنع فرصه ويعرف كيف يحمي مكاسبه. الانتصار على الكاميرون لم يكن وليد لحظة إلهام، بل نتيجة قراءة دقيقة، وانضباط جماعي، وثقة نضجت عبر السنوات.
وفي انتظار مواجهة نصف النهائي أمام الفائز من لقاء الجزائر ونيجيريا، يدخل المنتخب المغربي المرحلة القادمة بذهنية مختلفة، ذهنية من تجاوز عقده، وكسر حواجزه، وأدرك أن الطريق إلى اللقب لا يُعبد بالشعارات، بل بالمباريات الكبيرة… وهذه كانت واحدة منها.













