الأمن الجهوي: مقاربة استباقية لمواجهة الجريمة بالداخلة

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
الأمن الجهوي: مقاربة استباقية لمواجهة الجريمة بالداخلة

كثيرًا ما يُختزل حضور الشرطة في لحظة التدخل أو مشهد التوقيف، بينما يغيب عن الوعي الجماعي أن الأمن، في جوهره، منظومة مؤسساتية تعمل قبل الجريمة وأثناءها وبعدها. في مدينة الداخلة، حيث تتسارع وتيرة التحولات الاقتصادية والسياحية، يبرز الأمن الجهوي بوصفه فاعلًا مركزيًا في إنتاج الاستقرار الاجتماعي وضمان شروط التنمية.

الأمن الجهوي بالداخلة لا يشتغل فقط كقوة تنفيذية، بل كجهاز عمومي يوازن بين متطلبات النظام العام وضمانات الحقوق والحريات. هذا التوازن ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل هو شرط دستوري وقانوني لشرعية التدخل الأمني. من هنا، تتحدد وظيفة الأمن بوصفه جزءًا من الدولة الحديثة، لا مجرد ذراع قسرية لها.

تعتمد المقاربة الأمنية المعتمدة على مبدأ الجاهزية والتدخل السريع، مدعومة بتكوين متخصص يمكّن العناصر الأمنية من التعامل مع طيف واسع من الوضعيات الإجرامية، من الجرائم العنيفة إلى الشبكات المنظمة. غير أن الأهم، في السياق المعاصر، هو الانتقال من منطق الرد الفعلي إلى منطق الاستباق، أي تفكيك البنى التي تنتج الجريمة قبل أن تتحول إلى وقائع ملموسة.

ويمتد الحضور الأمني إلى الفضاءات الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية، حيث يصبح الأمن جزءًا من الحياة اليومية، لا باعتباره قوة مراقبة دائمة، بل كخدمة عمومية تسعى إلى ترسيخ الطمأنينة الجماعية. هنا، يتحول الانتشار الميداني إلى آلية اجتماعية لإعادة إنتاج الثقة بين المواطن والمؤسسة.

وعندما تفرض الضرورة تدخلًا مباشرًا في وضعيات معقدة، يستند الأمن الجهوي إلى وسائل وتقنيات حديثة، مع الالتزام بمبدأ التناسب في استعمال القوة، باعتباره أحد الأعمدة الأساسية لدولة الحق والقانون. فالأمن، في الدولة الحديثة، لا يُقاس فقط بفعالية الردع، بل بقدرة المؤسسة على ممارسة سلطتها دون تقويض الحريات التي وجدت لحمايتها.

ويأتي الحضور الأمني الدائم كعنصر استراتيجي في حياة المدينة، ليس فقط لمواجهة الجرائم المباشرة، بل لضمان شعور المواطنين بالطمأنينة، وحماية الفضاءات العامة من أي تهديد محتمل، وتوفير بيئة آمنة للنشاط الاقتصادي والسياحي والاجتماعي. وفي هذا السياق، تتحول الشرطة من مجرد قوة تنفيذية إلى شريك فاعل في إدارة الأمن العام، من خلال تواصل مستمر مع السكان، ومتابعة مؤشرات الخطر قبل أن تتفاقم، وتقديم حلول وقائية تسهم في الحد من وقوع الجرائم قبل وقوعها.

في المحصلة، لا يمكن فصل الأمن عن التنمية ولا الاستقرار عن الشرعية القانونية. في الداخلة، يتقاطع الأمن الجهوي مع مشروع المدينة باعتباره أحد شروط إنتاج المستقبل: مدينة آمنة، ليس لأن الشرطة حاضرة فقط، بل لأن القانون حاضر، والثقة متبادلة، والمؤسسة تعمل بوصفها جزءًا من المجتمع لا فوقه. كما أن هذا النموذج يعكس قدرة الأمن الجهوي على التكيف مع التحديات الجديدة، والاستجابة لمتطلبات مجتمع متغير، مع الحفاظ على الاستقرار والنظام العام كأولوية قصوى.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة