المغرب أمام فرصة جيو-اقتصادية كبرى.. الصين تستثمر والغرب يراقب

هيئة التحريرمنذ 41 دقيقةآخر تحديث :
المغرب أمام فرصة جيو-اقتصادية كبرى.. الصين تستثمر والغرب يراقب

في خضم إعادة تشكيل خريطة الصناعة والتجارة العالمية، يجد المغرب نفسه أمام فرصة اقتصادية تتجاوز حدود الاستثمار التقليدي، بعدما تحولت المملكة إلى وجهة متقدمة للشركات الصينية الباحثة عن قواعد إنتاج قريبة من أوروبا وقادرة في الوقت نفسه على الانفتاح على الأسواق الإفريقية.

ويأتي هذا التحول في سياق الحرب التجارية بين بكين وواشنطن وتشدد الاتحاد الأوروبي تجاه عدد من المنتجات الصينية، وهو ما يدفع الشركات الصينية إلى إعادة توزيع جزء من عملياتها الصناعية خارج الصين. وفي هذا المشهد، يبرز المغرب بفضل موقعه الجغرافي، وبنيته التحتية، واستقراره المؤسساتي، وشبكة اتفاقياته التجارية، كمنصة تجمع بين القرب من أوروبا والولوج إلى إفريقيا.

وتجاوزت قيمة المشاريع الصينية المعلنة في قطاعات البطاريات ومكونات السيارات الكهربائية بالمغرب 10 مليارات دولار، مع تمركز جزء مهم منها حول منظومة طنجة تيك ومشروع مصنع “غوشن هاي-تك” للبطاريات في القنيطرة.

ولا يتعلق الأمر بمجرد استثمارات صناعية جديدة، بل بتحول يمكن أن يضع المملكة في قلب إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، خصوصا في قطاعات السيارات الكهربائية والطاقة والصناعات المتقدمة.

المغرب.. منصة صناعية تتجاوز السوق المحلية

من المنظور الصيني، لا يمثل المغرب مجرد سوق للاستثمار، وإنما منصة صناعية ولوجستية تتيح الاقتراب من الأسواق الأوروبية والاستفادة من الموقع الاستراتيجي للمملكة كبوابة نحو إفريقيا.

ويمنح موقع المغرب، إلى جانب ميناء طنجة المتوسط والمشاريع المينائية واللوجستية الكبرى، الشركات الصينية إمكانية بناء قواعد إنتاج قريبة من أوروبا، مع الحفاظ على القدرة على الوصول إلى الأسواق الإفريقية.

وتتعزز هذه الجاذبية بفضل تطور البنية التحتية الصناعية واللوجستية، والاستقرار المؤسساتي، وتوفر يد عاملة تنافسية ومؤهلة، إضافة إلى شبكة اتفاقيات التجارة الحرة التي تمنح المملكة إمكانية الولوج إلى أسواق واسعة.

وقد ساهمت هذه العناصر في انتقال المغرب تدريجيا من قاعدة للصناعات التقليدية والتجميع إلى مركز إقليمي يستقطب صناعات ذات قيمة مضافة أعلى.

الاستثمارات الصينية تسجل صعودا لافتا

وتكشف أرقام الاستثمارات عن سرعة هذا التحول، إذ ارتفعت التدفقات الاستثمارية الصينية في المغرب من حوالي 406 ملايين درهم سنة 2015 إلى أكثر من 2.08 مليار درهم سنة 2024.

وتقترب هذه القيمة من الاستثمارات الألمانية التي بلغت نحو 2.47 مليار درهم خلال الفترة نفسها، رغم أن ألمانيا راكمت حضورا صناعيا واستثماريا في المغرب على مدى عقود.

ويعكس هذا التطور صعودا سريعا للصين داخل خريطة الاستثمار الأجنبي بالمملكة، ويؤشر على انتقال العلاقات الاقتصادية بين الرباط وبكين نحو مشاريع صناعية أكثر ارتباطا بسلاسل القيمة العالمية.

بروكسيل تراقب.. وقواعد المنشأ في الواجهة

غير أن توسع الاستثمارات الصينية في المغرب لا يمر دون اهتمام أوروبي وأمريكي.

ففي بروكسيل، تبرز مخاوف مرتبطة بإمكانية استخدام المغرب كمنصة لإعادة شحن أو إعادة تصدير المنتجات الصينية نحو السوق الأوروبية، خصوصا في ظل الامتيازات التجارية التي تستفيد منها المنتجات المستوفية لقواعد المنشأ المغربية.

وقد أثار مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش مسألة إعادة الشحن، مؤكدا أهمية التحقق من احترام قواعد المنشأ قبل السماح للسلع بالاستفادة من شروط الولوج إلى السوق الأوروبية الموحدة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية مع تشدد الاتحاد الأوروبي تجاه عدد من المنتجات الصينية، خصوصا السيارات الكهربائية والبطاريات، وتوجه الشركات الصينية إلى نقل جزء من عملياتها الصناعية إلى الخارج لتقليص آثار القيود التجارية.

وهنا تتحول قواعد المنشأ من مجرد مسألة جمركية إلى عامل أساسي في مستقبل الاستثمارات الصينية بالمغرب.

واشنطن تراقب بدورها

وفي الجانب الأمريكي، ترتبط المخاوف أساسا بقواعد المنشأ والرسوم المفروضة على المنتجات الصينية والولوج إلى السوق الأمريكية.

وتستخدم بعض الدوائر السياسية والاقتصادية الأمريكية تعبير “المكسيكة” للإشارة إلى احتمال تحول دول ثالثة إلى منصات لإعادة توجيه المكونات والمنتجات الصينية نحو السوق الأمريكية.

ويرى الخبير المغربي جهاد آيت سوسان أن التحذيرات الأمريكية ينبغي أخذها بجدية، ولكن دون تضخيمها، موضحا أن الرسالة الأساسية لواشنطن تتمثل في ضرورة التأكد من أن المنتجات الصينية التي تصل إلى السوق الأمريكية عبر المغرب تستوفي فعليا قواعد المنشأ.

وتكمن إحدى نقاط الحساسية في إمكانية استخدام دول ثالثة لإجراء عمليات تجميع أو تصنيع محدودة على منتجات صينية قبل إعادة تصديرها إلى أسواق أخرى.

غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الاستثمارات الصينية في المغرب مستهدفة في حد ذاتها، بقدر ما يعكس تشدد واشنطن تجاه محاولات الالتفاف على الرسوم والقيود التجارية المفروضة على المنتجات القادمة من الصين.

الرباط.. تنويع اقتصادي دون تغيير الاصطفافات

وتجد المملكة نفسها أمام معادلة دقيقة، فهي ترتبط بشراكات اقتصادية واستراتيجية عميقة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تفتح أبوابها أمام الاستثمارات الصينية واليابانية والخليجية وغيرها.

ولا يعني توسع الاستثمارات الصينية بالضرورة تحولا في الاصطفافات الاستراتيجية للمغرب، بقدر ما يعكس سياسة تقوم على تنويع الشركاء الاقتصاديين والاستفادة من تنافس القوى الكبرى على الأسواق وسلاسل الإمداد.

ويؤكد آيت سوسان أن على المغرب التمييز بين الاستثمار الصيني في المملكة وبين الاصطفاف السياسي مع الصين، معتبرا أن الرباط لا تنظر إلى بكين باعتبارها بديلا عن واشنطن أو بروكسيل، وإنما كشريك اقتصادي إضافي يمكن أن يساهم في تسريع التصنيع وتنويع الشراكات.

وتمنح هذه السياسة المغرب هامشا أوسع للتحرك الاقتصادي، خصوصا أن المملكة ترتبط باتفاقية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وشراكة اقتصادية وتجارية واسعة مع الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه تستطيع تقديم نفسها للصين كمنصة صناعية للوصول إلى أوروبا وإفريقيا.

الموانئ.. ورقة المغرب الاستراتيجية

وفي قلب هذه المعادلة تقف الموانئ المغربية، وفي مقدمتها طنجة المتوسط، باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية التي تجعل المملكة جذابة للصناعة العالمية.

فالمغرب لا يعرض على المستثمر الصيني مجرد سوق محلية، بل منظومة متكاملة تجمع الموانئ والمناطق الصناعية والطرق والسكك الحديدية والطاقة المتجددة والبنية اللوجستية والقرب من أوروبا.

كما أن صعود مشاريع صناعية ضخمة في مجال البطاريات والسيارات الكهربائية يرفع مستوى الرهان، لأن الأمر يتعلق بقطاعات ترتبط مباشرة بمستقبل الصناعة العالمية وسلاسل الإمداد الجديدة.

من استقطاب الاستثمار إلى خلق القيمة

ويرى آيت سوسان أن استقبال استثمارات صينية بهذا الحجم يمكن أن يوفر للمغرب التمويل والتكنولوجيا والخبرة الصناعية وفرص العمل، ويساعد المملكة على الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى إنتاج مكونات ذات قيمة مضافة أعلى.

لكن الاستفادة الاقتصادية الحقيقية تظل مرتبطة بوجود إنتاج فعلي داخل المملكة، وليس بمجرد عمليات تجميع محدودة أو إعادة تصدير.

ومن هنا تبرز أهمية الشفافية واحترام قواعد المنشأ وإثبات وجود قيمة مضافة وإنتاج حقيقي داخل المغرب.

فكلما ارتفعت القيمة المضافة التي يتم خلقها داخل المملكة، أصبح من الصعب اختزال الحضور الصيني في مجرد عمليات عبور أو إعادة تصدير.

وبذلك، تتحول قواعد المنشأ من مسألة تقنية مرتبطة بالجمارك إلى عنصر مركزي في مستقبل الاستثمارات الصينية بالمغرب.

اختبار جيو-اقتصادي للمملكة

وتضع هذه التطورات المغرب أمام معادلة دقيقة: جذب الاستثمارات الصينية دون تحويل المملكة إلى ساحة مواجهة تجارية بين بكين وواشنطن وبروكسيل، والحفاظ في الوقت نفسه على الشراكات الاستراتيجية القائمة مع الغرب.

لكن قوة المغرب في هذه المعادلة لا تكمن فقط في موقعه الجغرافي، وإنما في قدرته على تحويل هذا الموقع إلى قيمة اقتصادية وصناعية فعلية.

فالموانئ الاستراتيجية، وعلى رأسها طنجة المتوسط، إلى جانب المشاريع الصناعية الكبرى والطاقة المتجددة والبنية اللوجستية، تجعل المملكة قادرة على تقديم نفسها كحلقة وصل بين ثلاث دوائر اقتصادية كبرى: أوروبا وإفريقيا وآسيا.

وفي وقت تعيد فيه الحرب التجارية تشكيل خريطة الصناعة العالمية، يبدو أن الصين لا تبحث في المغرب عن سوق جديدة فقط، بل عن قاعدة صناعية قريبة من أوروبا وقادرة على الانفتاح على إفريقيا.

وفي المقابل، يجد المغرب نفسه أمام فرصة لتحويل تنافس القوى الاقتصادية الكبرى إلى رافعة للتصنيع ونقل التكنولوجيا وخلق القيمة داخل المملكة.

ويبقى الفارق جوهريا بين أن يكون المغرب مجرد ممر للمنتجات الصينية، وبين أن يصبح قاعدة صناعية تنتج داخل أراضيه وتصدر بقيمة مضافة محلية.

فنجاح المملكة في تثبيت هذه المعادلة يمكن أن يعزز موقعها كجسر صناعي ولوجستي بين الصين وأوروبا وإفريقيا، ويمنحها حضورا أكبر داخل خريطة التجارة وسلاسل الإنتاج العالمية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة