هناك، في الأقاليم الجنوبية للمملكة، لا يأتي رمضان كضيف عابر.
يصل على مهل، كنسمةٍ تعرف الطريق إلى القلوب قبل البيوت. تمتزج حرارة الرمال ببرودة السكينة، ويصير الأفق الصحراوي مسرحًا لذاكرةٍ جماعية تستدعي الهوية الحسانية بكل ما فيها من وقار ودفء.
قبل أن يُعلن الهلال ميلاد الشهر، تبدأ الحركة الخافتة التي لا تراها الكاميرات: صِلات رحم تُرمَّم، وصدقات تُؤدى في صمت، وزكاة يخرجها الميسورون طلبًا للأجر لا للثناء. في البيوت، يتدرّج الأطفال نحو الصيام بخطوات صغيرة محسوبة، يتعلمون كيف يُمسكون عن الطعام ويمسكون قبل ذلك عن الضجر، ويقتربون من القرآن كأنهم يكتشفون كنزًا عائليًا متوارثًا. بعض الطقوس القديمة تراجعت — كحلق رؤوس الصغار تيمّنًا ببداية الشهر — لكن جوهر الحكاية ما زال حاضرًا: رمضان هنا تربية قبل أن يكون عادة.
وعند لحظة الإفطار، لا ضجيج مبالغ فيه.
تمرٌ يفتتح المساء، وحساء تقليدي من الحبوب يعلن بداية الدفء. ثم يحضر “الزريك”، سيّد الموائد الصحراوية، سواء كان من لبن الإبل أو الغنم، يُقدَّم في أوانٍ تقليدية تشبه المكان في بساطته وعمقه. بعدها يتقدّم “أتاي” الصحراوي، لا كمجرد مشروب، بل كطقس كامل… كفاصلٍ إنساني يعيد ترتيب المسافات بين الناس.
اللحوم المشوية أو المطهوة تحضر بدورها، لكن الأسعار المرتفعة صارت ضيفًا ثقيلًا على بعض الأسر. أما السمك، فرغم وفرة البحر على مقربة، يبقى حضوره محدودًا؛ بين كلفته المرتفعة وتقاليد غذائية راسخة لدى بعض الفئات. في السحور، تتنوّع الخيارات بين أرزٍّ باللحم وأطباق تقليدية، أو الاكتفاء بالزريك بعد جلسة شاي هادئة تختصر معنى ليالي رمضان في الصحراء: بساطةٌ لا تحتاج إلى زينة.
وحين ينتصف الليل، لا تنطفئ الحياة.
تتحوّل الأمسيات إلى فضاءات جماعية تستعيد فيها الألعاب الشعبية مكانتها، كأنها مقاومة هادئة لزحف أنماط الترفيه الحديثة. لعبة “السيك” تتصدّر المشهد النسائي، أعواد مزخرفة تتقاطع وسط زغاريد وتفاعل يعيد للفضاءات النسائية روحها القديمة. هناك أيضًا “اكرور”، لعبة تمزج بين المتعة والتركيز، بينما يجتمع الرجال — خصوصًا كبار السن — حول “الظامة”، حيث التخطيط والتكتيك والصبر، وحيث تتحول الجلسة إلى مجلس تأمل ومتابعة دقيقة للحركة التالية.


وإلى جانب ذلك، تحضر “مرياس” والدومينو وألعاب الورق، كأنها شواهد صغيرة على استمرارية العادة في زمن التغيّر.
رمضان في الصحراء ليس فقط شهرًا للصيام.
إنه امتحان للذاكرة… واحتفاء بالهوية… وموعد سنوي تعيد فيه الرمال كتابة الحكاية نفسها، لكن بروح جديدة.
هنا، بين دفء الشاي وهدوء الليل، يتأكد أن هذا الشهر ليس مجرد زمنٍ يُعاش، بل معنىً يُحفظ في وجدان المكان.













