يشهد المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة تحولات متسارعة تعيد تشكيل خرائط النفوذ وموازين القوة، في سياق تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية، ضمن سباق متنامٍ حول الموارد البحرية والمجالات الاستراتيجية. وفي قلب هذه التحولات، تبرز جزر الكناري باعتبارها نقطة ارتكاز حساسة، لم تعد تُختزل في بعدها السياحي التقليدي، بل باتت مساحة تلاقٍ بين الاستثمارات الأجنبية، والتنافس الإقليمي، والرهانات السيادية المرتبطة بترسيم الحدود البحرية واستغلال الثروات الطبيعية.
وفي تقرير لصحيفة “إل إسبانيول” الإسبانية، جرى تسليط الضوء على ما وصفته بتزايد الإحساس داخل الأوساط المحلية في الأرخبيل بوجود “فراغ استراتيجي”، في ظل تنامي الضغوط الاقتصادية والبحرية المحيطة بالكناري. ويرى التقرير أن الموقع الجغرافي للأرخبيل—القريب من السواحل الإفريقية والبعيد نسبياً عن البر الإسباني—يجعله جزءاً من معادلات جيوسياسية معقدة، تتصل بأمن الطاقة والملاحة البحرية، وبالتحولات المرتبطة بالموارد المعدنية في أعماق المحيط.
وأشار التقرير إلى أن السنوات الأخيرة شهدت اهتماماً متزايداً من قبل شركات أجنبية بالبنية المينائية والخدمات اللوجستية في الأرخبيل، بما في ذلك استثمارات مرتبطة بفاعلين من دول متوسطية وأطلسية. وقد أثار هذا الحضور الاقتصادي المتنامي نقاشاً داخلياً حول انعكاساته المحتملة على الأمن الاقتصادي والسيادي للمنطقة، خاصة أن جزءاً من هذه الاستثمارات يرتبط بقطاعات استراتيجية مثل الموانئ، النقل البحري، وسلاسل الإمداد، وهي مجالات لا تُقاس أهميتها بمنطق التنمية فقط، بل بقدرتها على التأثير في مفاصل القرار الاستراتيجي.
ويتقاطع هذا البعد الاقتصادي، بحسب الصحيفة، مع ملف ترسيم الحدود البحرية بين إسبانيا والمغرب، وهو ملف تزداد حساسيته مع تصاعد الحديث عن ثروات معدنية محتملة في قاع الأطلسي، فضلاً عن أهمية المجال البحري في التحكم بخطوط الملاحة والتوازنات العسكرية. وقد أعاد اعتماد الرباط لقوانين بحرية جديدة قبل سنوات، مقابل تحركات مدريد لدى الأمم المتحدة لتوسيع جرفها القاري، إبراز احتمال انتقال الخلافات التقنية من نطاقها القانوني إلى نطاق سياسي أوسع، خصوصاً عندما تصبح الحدود البحرية بوابةً نحو الثروة والنفوذ في آن واحد.
وفي السياق ذاته، لفت التقرير إلى البعد العسكري المتنامي في المنطقة، في ظل تزايد المناورات البحرية والجوية في المجال الأطلسي، سواء في إطار الاستعدادات الوطنية أو ضمن ترتيبات دفاعية أوسع. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً للأهمية الاستراتيجية للأرخبيل باعتباره نقطة ارتكاز أمام التحولات الأمنية في الساحل وغرب إفريقيا، إضافة إلى دوره في حماية المجال الأوروبي الجنوبي وتأمين الممرات البحرية الحيوية.
ووفق القراءة التي يقدمها التقرير، فإن جزر الكناري تجد نفسها اليوم أمام معادلة دقيقة: فمن جهة، الحاجة إلى جذب الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد المحلي، ومن جهة أخرى، ضرورة تحصين موقعها الاستراتيجي في ظل تنافس إقليمي متصاعد. وهو ما يضع صناع القرار في مدريد أمام تحدٍ مركزي يتعلق بكيفية تحقيق توازن بين الانفتاح الاقتصادي ومتطلبات السيادة، في فضاء أطلسي لم يعد هامشياً كما كان، بل أصبح جزءاً من قلب التحولات الجيوسياسية الجديدة في المنطقة.













