الساحل بريس / الصغير محمد
في نهائيات كرة القدم، لا تُقاس اللحظات بالدقائق، بل بالأنفاس. وركلة الجزاء في نهائي كأس إفريقيا 2025 لم تكن مجرد كرة وُضعت على نقطة البياض، بل كانت اختزالًا لحلم أمة، وثقل تاريخ، وانتظار ملايين العيون. حين سدد إبراهيم دياز الكرة وأضاعها أمام السنغال، خيّم الصمت لثوانٍ بدت أطول من عمر المباراة نفسها، وكأن الزمن توقف ليختبر قسوة هذه اللعبة التي لا ترحم.
لكن كرة القدم، كما علمتنا عبر عقود، لا تختزل اللاعبين في ركلة ضائعة، ولا تُنهي المسارات عند لحظة إخفاق. كم من نجم كبير سقط في امتحان ركلات الجزاء ثم عاد أكثر قوة؟ روبرتو باجيو، أحد أعظم من لمس الكرة، أضاع ركلة جزاء حاسمة في نهائي مونديال 1994، ولم يمنعه ذلك من أن يُخلَّد في ذاكرة الكرة العالمية. ديفيد بيكهام أضاع ركلة جزاء مؤلمة أمام الأرجنتين في 1998، قبل أن يعود قائدًا ونجمًا مؤثرًا مع منتخب إنجلترا. حتى ليونيل ميسي، أسطورة العصر، أهدر ركلات جزاء في نهائيات كبرى، أبرزها كوبا أمريكا، قبل أن يحوّل الألم إلى دافع ويتوج لاحقًا بكل ما حلم به.
إبراهيم دياز اليوم يقف في المكان نفسه الذي وقف فيه هؤلاء من قبل: نقطة فاصلة بين الخيبة والنضج. فشل في التسجيل في النهائي، نعم، لكن شجاعته في تحمل المسؤولية في لحظة بهذا الحجم تُحسب له لا عليه. اللاعب الذي يختبئ لا يُخطئ، أما الذي يتقدم بثبات، فهو وحده من يعرّض نفسه للنجاح والفشل معًا.
ديّاز ليس مجرد منفذ ركلات جزاء، بل مشروع لاعب كبير. مهاراته العالية، رؤيته في الثلث الهجومي، قدرته على المراوغة في المساحات الضيقة، وجرأته في المواجهات الفردية، كلها عناصر تجعل منه قطعة أساسية في مستقبل المنتخب. لاعب بهذا الرصيد الفني لا تهزّه ركلة ضائعة، بل تصقله التجربة وتمنحه صلابة ذهنية أكبر.
التاريخ الكروي يُجمع على حقيقة واحدة: النهائيات لا تصنع النجوم، بل تكشف معدنهم. وإبراهيم دياز، رغم عثرة نهائي 2025، أظهر أنه يملك الجرأة، والموهبة، وقابلية التطور. اليوم هو لاعب متألم، وغدًا قد يكون لاعبًا حاسمًا، لأن الكبار لا يُولدون من لحظات الفرح فقط، بل من رحم الخيبات أيضًا.
في كرة القدم، كما في الحياة، ليست العبرة في السقوط، بل في القدرة على النهوض. وإبراهيم دياز… ما زال في بداية الطريق.













