لماذا يستورد المغرب أمعاء الخنزير رغم حساسية الموضوع؟

هيئة التحريرمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
لماذا يستورد المغرب أمعاء الخنزير رغم حساسية الموضوع؟

في خضم الجدل الذي يرافق كل ما يرتبط بلحوم الخنزير ومشتقاته، برز سؤال يثير الفضول والاستغراب معًا: لماذا يستورد المغرب أمعاء الخنزير، رغم الحساسية الدينية والمجتمعية المحيطة بالموضوع؟ وهل يتعلق الأمر بالاستهلاك الغذائي، أم أن وراء العملية اعتبارات علمية وصناعية أعمق؟

المعطيات العلمية تكشف أن الأمر لا يرتبط بالاستهلاك المحلي، بل يدخل أساسًا ضمن حاجيات صناعات طبية حيوية دقيقة. فأمعاء الخنزير تُعدّ المصدر العالمي الرئيسي لاستخراج مادة “الهيبارين”، وهو دواء مسيل للدم ضروري في عمليات جراحة القلب، وغسيل الكلى، والوقاية من الجلطات الدموية. هذا الدواء يُعتبر عنصرًا أساسيًا في المنظومة الصحية الحديثة، ولا يزال يُستخلص في جزء كبير منه من الأمعاء الخنزيرية نظرًا لخصائصها البيولوجية.

ولا يتوقف الاستخدام عند هذا الحد، إذ تدخل هذه المواد كذلك في صناعة الخيوط الجراحية القابلة للامتصاص، وفي استخراج الكولاجين والأنزيمات البيولوجية التي تُستعمل في أدوية متطورة ومنتجات النظافة الطبية. أي أننا أمام مادة أولية صناعية ذات استعمالات طبية دقيقة، وليست منتجًا غذائيًا موجهًا للاستهلاك.

اقتصاديًا، يعتمد المغرب مقاربة تقوم على استيراد هذه المواد الخام لمعالجتها داخل وحدات صناعية متخصصة، قبل إعادة تصديرها في شكل منتجات نهائية ذات قيمة مضافة، من بينها أغلفة النقانق الموجهة أساسًا لأسواق أوروبية وأمريكية. هذا النشاط يعزز تموقع المملكة ضمن سلاسل الإنتاج الدولية، ويدعم عائداتها من العملة الصعبة، دون أن يكون له ارتباط مباشر بالسوق الاستهلاكية المحلية.

وفي هذا السياق، أعلنت الإدارة الفيدرالية الروسية للمراقبة البيطرية عن تصدير أول دفعة من أمعاء الخنازير المملحة من مقاطعة كورسيك نحو المغرب، بوزن إجمالي بلغ حوالي 22.2 طن. وأوضحت الهيئة أن العملية تمت تحت إشراف صحي بيطري دولي صارم، مؤكدة أن الشحنة تُصنّف كمادة أولية صناعية وليست منتجًا موجّهًا للاستهلاك الغذائي.

هكذا يتضح أن استيراد أمعاء الخنزير يندرج ضمن منطق صناعي وطبي بحت، تحكمه ضرورات علمية واقتصادية، في توازن دقيق بين الخصوصية المجتمعية ومتطلبات الاندماج في الاقتصاد العالمي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة