من هندسة التنمية إلى إعادة إنتاج البطالة: حين تتحوّل المبادرات الجهوية إلى فخ للفشل

هيئة التحرير30 نوفمبر 2025آخر تحديث :
من هندسة التنمية إلى إعادة إنتاج البطالة: حين تتحوّل المبادرات الجهوية إلى فخ للفشل

بقلم: مجيد الشويهي

عرف المغرب منذ بداية التسعينيات موجات متتالية من برامج التشغيل ومبادرات دعم المقاولة. ورغم اختلاف التسميات وتنوع الآليات، ظلّ القاسم المشترك بينها طموحًا كبيرًا يُواجه واقعًا مؤسساتيًا واقتصاديًا لم يكن دائمًا مهيأً لاحتضان تلك المبادرات. فكانت النتيجة تكرار نفس الصيغ، بنفس التصورات تقريبًا، وبنفس النتائج التي أعادت إنتاج الأزمة بدل احتوائها، وحوّلت بعض الشباب من طامحين إلى متهمين أمام القانون، لمجرد محاولتهم إطلاق مشروع.

فشل مبادرات التشغيل، سواء الحكومية مثل برنامج “الشباب والمستقبل” 1992، و”مقاولتي” 2006، و”انطلاقة” 2020، وفرصة 2022، أو البرامج الجهوية التي عرفتها عدة جهات بالمملكة في السنوات الأخيرة، لم يكن نتيجة غياب فكرة، بل لغياب تشخيص دقيق للسوق، ومواكبة تقنية وقانونية ومالية تحمي المستفيدين. فالشاب الذي خرج من المؤسسة الداعمة، إذا ما تلقى متابعة حقيقية ودعم مستمر، قد ينجح ويؤسس مشروعه، أما إذا تُرك دون مواكبة، فسيستمر في الطريق حتى يسقط، ليجد نفسه في النهاية متهمًا أمام القضاء رغم أن فشله لم يكن نتيجة سوء نيته.

المبادرة الوطنية للتنمية البشرية: نموذج للنجاح
على النقيض من ذلك، أثبتت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية نجاحها المستمر في عدة مجالات، إذ توفر أنشطة مدرة للدخل، وتواكب المستفيدين مهنيًا، وتعمل على تحسين الخدمات الاجتماعية، مع دعم فعلي للشباب والمجتمعات المحلية. وقد أثبتت التجربة أن وضوح الرؤية والتنظيم والمواكبة الحقيقية يمكن أن يحول المبادرات إلى أدوات تنموية ناجحة، بعكس بعض البرامج الحكومية والجهوية التي ركّزت على الكم دون الجودة، أو على الحسابات الانتخابية بدل الاحتياجات الحقيقية للشباب.

البرامج الجهوية في السنوات الأخيرة وفخ الفشل
يمكن تصوير فشل العديد من البرامج الجهوية في السنوات الأخيرة بالمثل الشعبي القائل: “الرجل الذي سقط في الطريق، وجاءت الناس تنادي: أبوكم ساقط في الطريق، فأجابوهم بأنه خرج من بيته مائلاً.”

فهذه البرامج غالبًا ما تخرج مائلة، ولا تستند إلى دراسة حقيقية للاحتياجات، وتسقط عند أول اختبار حقيقي. لم تسهم هذه البرامج في توفير فرص شغل حقيقية، ولم تخفّض نسب البطالة، بل أغرقت المحاكم بملفات المتابعات. وأصبح الباحث عن عمل يبحث عن مكان في السجن إذا لم يجد ما يدفع به لسداد الدين أو لإرجاع الدعم الذي تلقاه. معادلة غريبة لا يمكن فهمها إلا ضمن المنظومة الجهوية التي ركّزت على الحسابات الانتخابية والمكاسب السياسية، بدل خدمة الشباب والتنمية المحلية.

المطلوب اليوم هو توجيه التشغيل وفق دراسة دقيقة للاحتياجات في القطاعات العمومية، وتوظيف الشباب المحليين فيها لخلق مناصب شغل جديدة، مع تكوين آخرين لسد النقص في مجالات أخرى، بدل استقدام أشخاص من خارج الجهة وترك السكان المحليين في البطالة أو توجيههم إلى مشاريع عشوائية لا تغني ولا تسمن من جوع.

استمرار إطلاق المبادرات دون تقييم واقعي ودون مواكبة حقيقية يجعل من الشباب ضحايا برامج بلا رؤية، لا شركاء فيه. ضعف الدعم، تكرار المشاريع داخل نفس الأحياء، وغياب دراسات السوق، يجعل فشل المشروع نتيجة طبيعية، ويصبح تحميل الشباب مسؤولية هذا الفشل أمرًا غير عادل ويؤجج الهشاشة الاجتماعية.

ليست المبادرات مجرد أوراق دعم تُوزَّع على الشباب، بل مستقبل يجب أن يُصان. للأسف، يتحول الكثير منها إلى فخ، حيث يظل الشباب ضحايا برامج بلا رؤية، يراوحون بين وعود مؤقتة وأبواب مؤسسات لا نهاية لها. وفي الوقت نفسه، تساهم بعض المجالس في صناعة متسولين للمال العام بدل تمكينهم من أن يصبحوا مقاولين حقيقيين قادرين على الابتكار والإنتاج.

المطلوب اليوم هو بناء منظومة واضحة وحقيقية، تحفظ حقوق الشباب، تضمن إدماجهم الفعلي في سوق الشغل، وتحوّل المبادرات من مجرد شعارات إلى أدوات تنموية حقيقية تعكس طموحهم وتحقق العدالة الاقتصادية والاجتماعية.

الشباب ضحايا برامج بلا رؤية، والمجالس تصنع متسولين للمال العام لا مقاولين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة