الساحل بريس / الصغير محمد
في هذا الدور من كأس أمم إفريقيا، لا يبدو ربع النهائي مجرد محطة عابرة في طريق اللقب، بل أشبه ببطولة مصغّرة تختزل كل تاريخ القارة الكروي، وتضع المنتخبات وجهاً لوجه بلا أقنعة ولا هوامش للخطأ. الجزائر أمام نيجيريا، المغرب في مواجهة الكاميرون، مصر ضد ساحل العاج، والسنغال تصطدم بمالي… أسماء ثقيلة، وتاريخ متشابك، وكرة قدم لا تعترف إلا بالأقوى ذهنيًا وتكتيكيًا.
اللافت في هذا الدور، ليس فقط قيمة المنتخبات المتنافسة، بل طبيعة الطريق الذي أوصلها إلى هنا. لقد رأينا منتخبات لا تكتفي بالاندفاع ولا تركن إلى الحظ، بل تبني انتصاراتها على قراءة دقيقة للمباريات، وانضباط تكتيكي، وشجاعة في اتخاذ القرار داخل الملعب. هذا هو جوهر كرة القدم الحديثة: عقل قبل القدم، وخطة قبل العاطفة.
المنتخبات العربية، على وجه الخصوص، تدخل هذا الدور وهي تحمل أكثر من مجرد حلم التأهل. الجزائر، بخبرتها القارية وروحها التنافسية، تواجه نيجيريا التي تمثل القوة البدنية والسرعة والعمق الهجومي، في صراع بين الانضباط والاندفاع. المغرب، بثباته التكتيكي وتنوع خياراته، يصطدم بالكاميرون، المنتخب الذي لا يعترف بالتاريخ إلا حين يكتبه من جديد بقوته الذهنية وشخصيته الصلبة. أما مصر، فهي مصر البطولات، تواجه ساحل العاج، حيث تتقاطع الخبرة مع الطموح، ويصبح التفصيل الصغير هو الفاصل بين مجد جديد وخروج قاسٍ.
ما يجمع هذه المنتخبات العربية، هو أنها لم تصل إلى ربع النهائي بالصدفة، بل عبر مباريات محسوبة، لعبت فيها الكرة بوعي، ودافعت فيها الفرق عن أفكارها قبل مناطقها. لقد قدمت كرة قدم واقعية حين تطلب الأمر، وشجاعة حين فُتح باب المغامرة، وهو ما يجعل سؤال العبور إلى نصف النهائي سؤالًا مشروعًا، لا أمنية عاطفية.
السنغال ومالي، من جهتهما، تؤكدان أن إفريقيا لم تعد تُختزل في أسماء تقليدية، بل في مشاريع كروية تنمو بثبات. مواجهة تؤكد أن هذا الربع النهائي ليس فقط الأقوى من حيث الأسماء، بل من حيث توازن القوى، حيث لا يوجد منتخب يدخل المباراة وهو مطمئن، ولا آخر يكتفي بدور المتفرج.
نحن أمام ربع نهائي قد يُكتب في الذاكرة، ليس لأنه الأكثر إثارة فقط، بل لأنه الأكثر نضجًا. هنا، تتقاطع المدارس الكروية، وتُختبر الشخصيات، وتُقاس قيمة المدربين واللاعبين في لحظة الحقيقة. إنها إفريقيا حين تبلغ ذروة توترها الجميل، وحين يصبح السؤال الحقيقي: من يملك الشجاعة ليخطو خطوة أخرى نحو المجد؟













