الساحل بريس / الصغير محمد
في الداخلة، لا تبدأ مباريات رمضان بصافرة الحكم فقط. تبدأ قبل ذلك بكثير… تبدأ بصورة تُنشر، وابتسامة تُلتقط، وكلمة تُلقى في حفل افتتاح. هناك، عند تخوم ملاعب القرب، تختلط رائحة العشب بنداء السياسة، ويصبح السؤال أكبر من مجرد كرة تتدحرج بين أقدام الشباب.
من حيث المبدأ، لا شيء يعيب أن تدعم المجالس المنتخبة الرياضة. بل إن هذا واجبها. فالمؤسسات التي لا تقترب من الشباب، تتركهم لفراغ أخطر من أي خصومة سياسية. لكن الإشكال لا يكمن في الدعم، بل في سياقه ورمزيته. متى يتحول الفعل التنموي إلى رسالة انتخابية مبطنة؟ ومتى يصبح الحضور السياسي في الفضاء الرياضي جزءًا من التنافس غير المعلن بين الفاعلين المحليين؟
في النسخ الأخيرة من دوريات رمضان، برزت مبادرات متعددة: جهة تُطلق تظاهرة واسعة بملاعب حديثة أنجزتها، جماعة تنظّم دوريات للأحياء بشعار تربوي واضح، وشخصيات سياسية تدعم دوريات في أحياء بعينها.
الصورة في ظاهرها صحية: تعددية في المبادرات، حركية في المدينة، اهتمام بالشباب. لكن في عمقها، تطرح سؤال التزامن: لماذا تتكثف المبادرات في المجال نفسه، وفي التوقيت نفسه، وبالحمولة الرمزية نفسها؟
هنا، لا نتحدث عن نوايا، بل عن قراءة مشهد. السياسة، كما يقول المفكر الفلسطيني عزمي بشارة، هي «إدارة الاختلاف داخل المجتمع». وإذا كان الأمر كذلك، فإن ما يحدث في ملاعب الداخلة ليس مجرد تنظيم دوريات، بل إدارة لصورة سياسية داخل المجال العمومي. فالسياسي لا يتحرك في فراغ؛ هو يبحث عن فضاءات ذات كثافة رمزية، والرياضة واحدة من أكثرها تأثيرًا.
ولنتذكر ما قاله الكاتب البريطاني George Orwell حين وصف الرياضة بأنها «حرب بلا إطلاق نار». قد يبدو الوصف مبالغًا فيه، لكنه يضيء زاوية مهمة: الرياضة فضاء تنافسي بطبيعته، والسياسة كذلك. وعندما يلتقي فضاءان تنافسيان، فإن الرمزية تتضاعف.
في الداخلة، تتحول ملاعب القرب إلى مساحات لإعادة تعريف القرب نفسه: قربٌ من الشباب؟ أم قربٌ من الناخبين؟ هل نحن أمام رؤية تنموية متكاملة، أم أمام سباق ناعم على الشرعية الرمزية؟
لا أحد ينكر أن هذه التظاهرات تمنح الشباب فرصة للتألق، وأنها تُنشئ دينامية اجتماعية في شهر له خصوصيته الروحية. لكن السؤال ليس في النتائج المباشرة، بل في المعنى السياسي الأوسع. فالسياسة الحديثة لا تُمارس فقط في المجالس والبرلمانات، بل في الفضاءات اليومية: في المدرسة، في الجمعية، في الملعب.
خذ مثالاً بسيطًا: عندما تُرفع شعارات تربط الرياضة بالقيم، فهذا أمر محمود. لكن حين ترتبط تلك الشعارات باسم جهة سياسية بعينها، يصبح الشعار جزءًا من هوية سياسية، لا مجرد قيمة مجتمعية. وعندما تتكرر الصورة ذاتها في أكثر من مبادرة، تتشكل في وعي المواطن معادلة غير مكتوبة: من ينظم الدوري، هو من يرعى الشباب؛ ومن يرعى الشباب، هو الأحق بالثقة.
هذه ليست مؤامرة، بل آلية طبيعية في العمل السياسي. فالسياسي، في النهاية، يبحث عن فضاء يلتقي فيه بالمجتمع دون وسائط معقدة، والملعب يوفر ذلك: جمهور حاضر، شباب متحمس، عدسات كاميرات، ومشهد احتفالي يصعب انتقاده.
لكن الخطورة تكمن حين يُختزل الفعل التنموي في رمزيته، لا في استمراريته. ماذا بعد صافرة النهاية؟ هل ستتحول هذه الحيوية نفسها إلى ملفات أكثر تعقيدًا: التشغيل، الاستثمار، التكوين المهني، العدالة الاجتماعية؟ هل سيشهد المواطن الحماسة ذاتها عندما يتعلق الأمر بفرص العمل أو معالجة الاختلالات الاجتماعية؟ أم أن حرارة المنافسة ستبقى محصورة داخل المستطيل الأخضر؟
ثم هناك سؤال آخر أكثر حساسية: إذا تحولت الرياضة إلى ساحة تنافس سياسي غير معلن، فهل سنرى النموذج ذاته يتكرر في قطاعات أخرى؟ هل سيصبح الدعم الاجتماعي مجالاً لإعادة توزيع الرمزية السياسية؟ وهل ستتحول مبادرات التشغيل إلى معارك صورة، لا إلى استراتيجيات طويلة الأمد؟
المشهد في الداخلة لا يمكن قراءته بمنطق الأبيض والأسود. ليس صراعًا فجًا، وليس انسجامًا بريئًا بالكامل. إنه منطقة رمادية، حيث تتداخل النوايا الحسنة مع الحسابات السياسية. وربما تكمن قوة التجربة في قدرتها على تحويل هذا التداخل إلى تكامل، لا إلى تنافس.
لكن الأسئلة تبقى معلقة:
هل نحن أمام تنافس صحي يخدم الشباب، أم سباق رمزي يستهلكهم؟
هل ستظل الملاعب وحدها ساحة الحماس، أم سنرى الروح ذاتها في ملفات التشغيل والدعم الاجتماعي؟
هل يمكن للسياسة أن تدعم الرياضة دون أن تبتلعها؟
وأخيرًا… من يدير اللعبة فعلاً: الحكم داخل الملعب، أم من يقف خارجه؟













