ليست الرسوم الجمركية التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على ثماني دول أوروبية مجرد أرقام تُضاف إلى جداول التجارة الدولية، بل هي إشارة سياسية بامتياز، تحمل في طياتها رسائل ضغط تتجاوز حدود الاقتصاد إلى جغرافيا النفوذ والصراع، وتعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا متجددًا: من يدفع ثمن القرارات الكبرى حين تتشابك السياسة بالتجارة؟
في قلب هذا الجدل، يبرز اسم المغرب. اقتصاد نامٍ، لكنه تعلم – مبكرًا – درس التنويع، وراكم خلال عقدين من الزمن شبكة علاقات تجارية متشعبة، جعلته أقل ارتهانًا لمحور واحد وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات.
الخبير الاقتصادي المهدي الفقير يقرأ المشهد من زاوية أبعد من العناوين العريضة. فبرأيه، لا يمكن استبعاد تأثيرات محتملة على المدى المتوسط والبعيد إذا ما تحولت هذه الرسوم من إعلان سياسي إلى واقع تطبيقي. غير أن ما يجري – يضيف – لا يندرج ضمن الحمائية الكلاسيكية بقدر ما هو نتاج قرارات ظرفية، تحكمها حسابات سياسية آنية، في عالم يشهد تدافعًا محمومًا بين القوى الكبرى. تدافع يُربك التوقعات، ويجعل أي قراءة نهائية محفوفة بالتحفظ، خاصة في ظل تداخل ملفات الاتحاد الأوروبي، والتكتلات التجارية، وتعقيدات جيوسياسية تزيد المشهد ضبابية.
في المقابل، يذهب الخبير خالد حمص إلى قراءة أكثر هدوءًا. فبرأيه، الاقتصاد المغربي بعيد نسبيًا عن دائرة التأثر المباشر، بحكم اختلاف طبيعة صادراته نحو أوروبا عن تلك التي تصدرها الدول الأوروبية إلى السوق الأميركية. بنية الاقتصاد الوطني، كما يقول، وتنوع أسواقه، يشكلان خط دفاع طبيعيًا أمام قرارات من هذا النوع، التي اعتاد ترامب توظيفها كأداة ضغط سياسي واقتصادي أكثر من كونها خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد.
بين القراءتين، يظل الثابت أن المغرب ليس لاعبًا على هامش الخريطة الاقتصادية، ولا هدفًا مباشرًا في هذا السجال الأطلسي. لكن الثابت أيضًا أن عالم اليوم لا يعترف بالحصانة المطلقة. ما يحمي الدول ليس غياب الخطر، بل الاستعداد له. وفي هذا السياق، تبدو استراتيجية تنويع الشركاء التي اختارها المغرب منذ سنوات، ليست مجرد خيار اقتصادي، بل رهان سياسي ذكي في زمن تتغير فيه القواعد، وتُكتب فيه القرارات على عجل… ثم تُترك آثارها على الجميع.













