في قلب المحيط الأطلسي، حيث تتقاطع طرق التجارة المشروعة مع مسالك التهريب الخفي، كشفت عملية أمنية دولية محكمة عن واحدة من أضخم شحنات الكوكايين التي تم اعتراضها في السنوات الأخيرة، في مؤشر واضح على تصاعد التنسيق العابر للحدود لمواجهة الجريمة المنظمة.
فقد تمكنت قوات الحرس المدني الإسباني من توقيف سفينة شحن تحمل اسم “أركونيان”، ترفع علم جزر القمر، وذلك في عرض البحر قبالة الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، وعلى متنها كمية هائلة من مخدر الكوكايين يُرجّح أن تصل إلى عشرات الأطنان، في عملية توصف بأنها من بين الأكبر في تاريخ أوروبا.
وبحسب المعطيات الأولية، كانت السفينة قد انطلقت من ميناء فريتاون بسيراليون في اتجاه ميناء بنغازي الليبي، قبل أن يتم رصدها وتعقبها لعدة أيام في إطار عملية استخباراتية دقيقة استهدفت تفكيك مسارات التهريب عبر المحيط الأطلسي.
وجرى تنفيذ عملية الاعتراض، يوم الجمعة الماضي، قبالة سواحل مدينة الداخلة، حيث تدخلت وحدات متخصصة تابعة للحرس المدني الإسباني مدعومة بإمكانيات بحرية متطورة، لتتمكن من السيطرة على السفينة وتوقيف 23 شخصاً من طاقمها، ينحدر أغلبهم من جنسيات فلبينية وهولندية، وسط شبهات قوية بارتباطهم بشبكة دولية للاتجار بالمخدرات.
وقد تم، يوم الأحد، اقتياد السفينة إلى ميناء لاس بالماس بجزر الكناري تحت حراسة مشددة، حيث وُضعت رهن إجراءات التفتيش الدقيق، في انتظار استكمال التحقيقات وتقديم الموقوفين أمام العدالة المختصة.
العملية نُفذت بأمر من المحكمة الوطنية الإسبانية، وفي ظل سرية قضائية صارمة، ما يفسر محدودية التفاصيل الرسمية المتاحة إلى حدود الساعة. غير أن التقديرات الأولية تشير إلى أن الكمية المحجوزة تتراوح بين 30 و45 طناً من الكوكايين، وهو رقم مرشح لأن يضع هذه العملية ضمن أكبر عمليات الحجز على الصعيد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة، في انتظار نتائج الوزن الرسمي.
ولعبت سفينة “دوكي دي أهومادا”، التابعة للحرس المدني الإسباني، دوراً محورياً في تعقب السفينة المشبوهة ورصد تحركاتها قبل التدخل في التوقيت المناسب لإحباط مخططها.
ولا تزال التحقيقات متواصلة تحت إشراف القضاء الإسباني، في مسعى لكشف امتدادات هذه الشبكة الدولية، وتحديد الجهات التي تقف وراء تمويل وتنسيق هذه العملية الضخمة، مع ترجيحات بإمكانية توقيف متورطين إضافيين خلال الأيام المقبلة.
وتعكس هذه العملية، التي هزّت شبكات التهريب عبر الأطلسي، حجم التحديات الأمنية المرتبطة بتنامي تجارة المخدرات العابرة للقارات، حيث لم تعد الشحنات المضبوطة مجرد أرقام قياسية، بل مؤشرات على اقتصاد موازٍ تغذيه شبكات معقدة تتحرك في الظل.
وبين يقظة الأجهزة الأمنية واتساع خيوط الجريمة المنظمة، يظل تفكيك هذه الشبكات رهيناً بتعزيز آليات التعاون الدولي وتبادل المعلومات الاستخباراتية، في مواجهة أنشطة غير مشروعة تتطور باستمرار وتعتمد أساليب أكثر تعقيداً واحترافية عبر مختلف المسارات البحرية.













