الساحل بريس / الصغير محمد
في كل موسم انتخابي، يعود سؤال الحضور السياسي والإعلامي للمرشحين إلى الواجهة، ليس باعتباره سباقا في الظهور، وإنما باعتباره انعكاسا طبيعيا لحجم النقاش الذي يثيره كل اسم داخل المجتمع المحلي.
وفي المشهد الحالي، يبدو أن الحديث داخل أوساط ساكنة جهة الداخلة وادي الذهب يتركز، بشكل لافت، حول مرشحي عدد من الأحزاب السياسية، في مقدمتها الاستقلال والحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة، بينما يظل حضور بعض الأسماء الأخرى أقل في النقاش العمومي، ليس بالضرورة بسبب ضعف الكفاءة أو محدودية الحظوظ الانتخابية، وإنما لأسباب مرتبطة أساسا بطريقة التواصل والتسويق السياسي.
فالإعلام، في نهاية المطاف، لا يصنع مرشحا من العدم، ولا يمنح أفضلية انتخابية لهذا الطرف أو ذاك. الإعلام المهني يفترض أن يكون صوت الشارع ونبضه، ينقل ما يدور في المجتمع، ويرصد الأسئلة والانتظارات ويضع مختلف المتنافسين أمام الرأي العام، مع الحفاظ على المسافة نفسها من الجميع.
ومن هذا المنطلق، فإن محدودية الحديث عن مرشح أو حزب معين لا تعني بالضرورة غياب الحضور السياسي أو ضعف التجربة. فقد تكون المشكلة أحيانا في غياب التواصل السياسي المنظم، وعدم تحويل العمل المؤسساتي إلى مادة إعلامية تصل إلى المواطنين.
فكم من منتخب يشتغل داخل المجالس المنتخبة، ويدافع عن ملفات وقضايا تهم الساكنة، لكن جزءا كبيرا من هذا العمل يظل بعيدا عن أعين الجمهور بسبب غياب استراتيجية واضحة للتواصل. وكان من الممكن، بالنسبة للأحزاب التي تتوفر على مرشحين لهم تجربة داخل المؤسسات المنتخبة، أن تقدم للرأي العام حصيلة واضحة وموثقة، عبر ربورتاجات أو لقاءات أو معطيات تبرز مواقفهم وترافعهم عن القضايا المحلية.
وهنا تحديدا، تبرز مسؤولية الأحزاب والمرشحين في صناعة التواصل مع المواطنين، بدل انتظار الإعلام لكي يكتشف ما يقومون به. فالإعلام ينقل ما هو موجود، لكنه يحتاج إلى معطيات ومبادرات وحصيلة ومواقف حتى يتمكن من تقديم صورة متكاملة للرأي العام.
ولا يتعلق الأمر، بأي شكل من الأشكال، باستصغار هذا المرشح أو ذاك، أو التقليل من شأن أي تجربة سياسية. فالانتخابات ليست مسابقة في الحضور الإعلامي فقط، وإنما هي مناسبة لعرض البرامج والتجارب والتصورات، وترك القرار في النهاية للناخبين.
وحتى الأحزاب التي لم تحسم بعد في مرشحها أو لم تبدأ بشكل فعلي في تقديمه للرأي العام، لا تزال أمامها فرصة لتدارك الأمر، لأن الحملة الانتخابية الحقيقية لا تبدأ فقط يوم وضع الترشيحات، وإنما تبدأ منذ لحظة بناء الثقة والتواصل مع المواطنين.
أما الإعلام، فواجبه أن يبقى على المسافة نفسها من جميع المتنافسين، وأن يمنح الفرصة للجميع دون تمييز، وأن ينقل النقاش الانتخابي كما هو، لا كما يرغب هذا الطرف أو ذاك في أن يكون.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يتحول الإعلام إلى طرف في المنافسة الانتخابية، بل إلى مرآة لها. مهمته أن يفتح المساحة أمام مختلف الأصوات، وأن يعرّف المواطنين بالبرامج والتجارب والمواقف، وأن يشجعهم على الانخراط بكثافة في العملية الديمقراطية وممارسة حقهم الدستوري في اختيار من يرونه الأقدر على تمثيلهم.
فالناخب هو صاحب الكلمة الأخيرة، والإعلام ليس من يختار المنتخبين، وإنما يساعد المواطن على معرفة من يتنافس على صوته.













