لم تنته الجلسة الشهرية لرئيس الحكومة بمجلس النواب، المنعقدة يوم الاثنين 8 يونيو 2026، بانتهاء اشغالها تحت قبة البرلمان، بل امتدت تداعياتها الى الفضاء السياسي والاعلامي، بعدما اختار رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، عبد الله بووانو، ان يخصص تدوينة مطولة للرد على مواقف رئيس الحكومة خلال الجلسة، معتبرا ان ما جرى لم يكن مجرد سجال سياسي عابر، بل مؤشر على طبيعة العلاقة التي باتت تحكم السلطة التنفيذية بمؤسسة الرقابة البرلمانية.
وفي تدوينته، رسم بووانو صورة ناقدة لاداء الحكومة ورئيسها، متوقفا عند ما وصفه بحالة التوتر والانفعال التي طبعت ردود رئيس الحكومة على مداخلات المعارضة، معتبرا ان النقاش الذي كان يفترض ان يتركز حول قضايا عمومية تهم المواطنين، انزاح نحو الردود الشخصية والتشكيك في نوايا الخصوم السياسيين.
ويرى القيادي في حزب العدالة والتنمية ان جوهر الاشكال لا يتعلق بمجرد خلاف سياسي بين الاغلبية والمعارضة، بل يرتبط بحق الراي العام في معرفة حقيقة عدد من الملفات التي اثيرت خلال الجلسة، وفي مقدمتها الاجتماع الذي عقد بمقر اقامة رئيس الحكومة حول ملف الاضاحي، والذي قال ان المواطنين ما زالوا ينتظرون توضيحات رسمية بشان طبيعته واهدافه والنتائج التي ترتبت عنه.
وبحسب بووانو، فان رد الفعل القوي الذي ابداه رئيس الحكومة تجاه هذا الموضوع يطرح تساؤلات سياسية اكثر مما يقدم اجوبة، خاصة ان الامر يتعلق بملف شغل ملايين المغاربة في سياق اقتصادي واجتماعي دقيق. فالمسالة، في نظره، ليست في عقد الاجتماع من عدمه، وانما في مبدأ الشفافية وحق المواطنين في الاطلاع على المعطيات المرتبطة بالقرارات التي تمس حياتهم اليومية.
ولم يتوقف نقد رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية عند هذا الحد، بل انتقل الى ما اعتبره اختلالات تطبع المشهد السياسي داخل الاغلبية الحكومية نفسها، متحدثا عن استمرار محاولات استقطاب منتخبين ينتمون الى احزاب مشاركة في الحكومة، وهي ممارسات قال انها تعكس مفارقة بين الخطاب المعلن حول الانسجام الحكومي وبين واقع التنافس الحزبي الذي يطبع الممارسة السياسية على الارض.
وفي الشق الاقتصادي، خصص بووانو حيزا مهما من تدوينته لملف استيراد القمح والدعم المخصص له، معتبرا ان وجود شحنات مستوردة قبيل صدور قرارات تنظيمية مرتبطة بالاستيراد يفرض طرح اسئلة مشروعة حول الجدوى الاقتصادية لهذه العمليات، خاصة في ظل الحديث عن تحسن الموسم الفلاحي واعتماد اسعار تشجيعية لفائدة المنتجين المحليين. وهي اسئلة، بحسب تعبيره، لا تستهدف التشكيك في السياسات العمومية بقدر ما تسعى الى فهم منطقها الاقتصادي والمستفيدين منها وانعكاساتها على الفلاح المغربي.
كما اثار ملف اقتناء معدات الكشف عن وسائل الغش في امتحانات البكالوريا انتقادات واضحة من طرف بووانو، الذي اعتبر ان هذه التجربة اثارت جدلا واسعا داخل الاوساط التربوية، داعيا الى الكشف عن كلفتها المالية ونجاعتها العملية ومدى مساهمتها الفعلية في الحد من ظاهرة الغش، وذلك في اطار مبدأ ربط الانفاق العمومي بالنتائج المحققة على ارض الواقع.
وفي سياق متصل، عاد المسؤول الحزبي الى ملف التعيينات في المناصب العليا، متوقفا عند تعيين مدير الخزينة والمالية الخارجية، ومطالبا بتقديم توضيحات للراي العام حول مدى احترام المساطر القانونية والتنظيمية المؤطرة لهذا النوع من التعيينات، باعتبار ان الشفافية في تدبير المناصب العمومية تشكل احد مرتكزات الحكامة الجيدة.
غير ان الملف الذي اعتبره بووانو الاكثر حساسية يتعلق بالسلم الاجتماعي، حيث ابدى تخوفه من تداعيات بعض المقاربات المعتمدة في التعامل مع الاحتجاجات الاجتماعية، معتبرا ان الاستقرار السياسي لا يتحقق فقط عبر التدبير الامني للازمات، وانما من خلال معالجة اسبابها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والاستجابة للمطالب المشروعة للفئات المحتجة.
كما انتقد ما وصفه بمحاولة تحويل النقاش من القضايا الاساسية الى مسائل انتخابية وشخصية، في اشارة الى استحضار نتائج دائرة مكناس والقاسم الانتخابي خلال الجلسة، معتبرا ان مثل هذه المواضيع لا تجيب عن الاسئلة الجوهرية التي يطرحها المواطنون بشان القدرة الشرائية والبطالة والحماية الاجتماعية وتدبير المال العام.
وختم بووانو تدوينته بالتأكيد على ان قوة التجربة الديمقراطية لا تقاس بحدة الخطاب او القدرة على احراج الخصوم السياسيين، وانما بمدى الاستعداد لتحمل المساءلة وتقديم الاجوبة المقنعة حول السياسات العمومية. كما شدد على ان المعارضة ستواصل ممارسة ادوارها الدستورية في الرقابة والتتبع، معتبرا ان الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في تقديم حلول عملية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغاربة، بعيدا عن منطق السجالات السياسية العابرة.













