بقلم : الصغير محمد
الانسحاب السياسي ليس دائمًا هدوءًا، بل غالبًا ضجيج يُسمع بصوت خافت في دهاليز السلطة قبل أن يظهر على واجهة المشهد العام. قرار عزيز أخنوش بعدم الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، وعدم خوض الانتخابات التشريعية المقبلة، هو أكثر من خطوة تنظيمية؛ إنه لحظة رمزية، علامة فارقة في تاريخ الحزب المغربي المعاصر. الكاميرا ما تزال مفتوحة، لكن من يقود المشهد غائب، والأسئلة تصبح هي التي تتحرك: ماذا سيبقى من الحزب حين يغيب وجهه الأكثر حضورًا؟ ومن يملأ الفراغ حين يصبح الفراغ ليس تنظيميًا فقط، بل رمزيًا أيضًا؟
يذكّرنا عالم الاجتماع السياسي ماكس فيبر بأن:
«السلطة الكاريزمية لا تعيش إلا ما دام صاحبها حاضرًا، وحين يغيب تبدأ إما في التمأسس أو في الانهيار».
لقد بُني حزب التجمع الوطني للأحرار، تحت قيادة أخنوش، حول صورة الرجل الواحد، حول الكاريزما الممزوجة بالمال والسلطة والقدرة على الحسم. أصبح أخنوش هو الحزب في المخيال العام، هو الجسر الذي عبرت منه نخب كثيرة إلى مواقع النفوذ، وهو الضمان الرمزي للتماسك الداخلي. وعندما ينسحب هذا العنوان، يصبح السؤال القاسي: هل يتحرّك هذا الكيان بدافع ما يؤمن به، أم بدافع ما يضمن له البقاء؟ وهل الفرق بين الفكرة والوظيفة هنا واضح فعلًا، أم أنه ذاب إلى الحد الذي لم نعد نميّز فيه السياسة من إدارتها؟
تجربة الأحزاب المغربية السابقة تضيف بعدًا آخر. حزب الاستقلال بعد عباس الفاسي، والعدالة والتنمية بعد عبد الإله بنكيران، يقدّمان نموذجًا على هشاشة الأحزاب التي تُختزل في شخصية زعيمها. روبرت ميخلز قال منذ قرن:
«كل تنظيم، مهما كان ديمقراطيًا في بداياته، ينتهي إلى حكم القلة».
هنا، في التجمع، القلة هي نفسها من تُدير الآن الاختبار الأكبر: كيف يحافظ الحزب على وجوده حين يفقد شرعيته الرمزية؟ والولاءات التي كانت مشروطة بوجود أخنوش ستصبح معرضة للامتحان؛ كل من التحق بالحزب خلال السنوات الأخيرة، لم يكن بالضرورة مناضلًا إيديولوجيًا، بل شخصًا يبحث عن نافذة نفوذ أو حماية لموقعه الاجتماعي والسياسي. أنطونيو غرامشي كتب:
«الأزمة تقع حين يموت القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد».
والتجمع الوطني للأحرار اليوم يدخل تلك المنطقة الرمادية: القديم يغادر بهدوء، والجديد لم يتشكّل بعد، والهويات الفردية أكثر قوة من الهوية الجماعية للحزب.
من سيخلف أخنوش؟
ليس السؤال عن الأسماء، بل عن نوع القيادة. هل سيستطيع الحزب إنتاج زعيم سياسي قادر على التعبير عن مشروع فكري، أم سيكتفي بإدارة توافقية تحفظ التوازنات الداخلية؟ المرجّح، بالنظر لطبيعة الحزب، أن الخيار سيكون شخصًا يُدار أكثر مما يُصنع، مديرًا تنظيميًا أكثر من كاريزما سياسية. هذا التحول قد يضمن الاستمرار، لكنه يضعف الروح، ويحوّل الحزب من مشروع سياسي إلى شبكة مصالح، يسهل التنبؤ بسلوكها أكثر من قدرتها على رسم السياسات المستقبلية.
أما سبب الانسحاب في هذا التوقيت بالذات، فهو أكثر وضوحًا عند قراءة المشهد الوطني. التحديات الاجتماعية والاقتصادية المتنامية، تراجع الثقة في الحكومة، ارتفاع النقد الشعبي، كلها عوامل تجعل الاستمرار مخاطرة كبيرة بالصورة السياسية. جوزيف شومبيتر كان يكتب:
«السياسة هي فن تجنب الهزيمة الكاملة».
انسحاب أخنوش قد يكون محاولة لإدارة الخروج بذكاء، للحفاظ على الرأسمال الرمزي قبل أن يتحوّل إلى عبء.
تأثير هذا القرار على الحكومة المقبلة ليس أقل إثارة. ضعف الأحزاب، وتراجع قدرتها على إنتاج قيادات ذات مصداقية، يفتح الباب أمام احتمال حضور أكبر للتكنوقراط أو تشكيل حكومة شبه تكنوقراطية. لكن التكنوقراطية ليست سياسة بالمعنى الكامل؛ إنها إدارة مؤقتة، أداة للتعامل مع الأزمة، مؤجلة للسؤال الأكبر: من يحكم، وبأي شرعية، ولأي مشروع؟
الحقيقة أن انسحاب أخنوش لا يُغلق المشهد، بل يفتح باب التكهنات والمفاجآت: هل سيستعيد الحزب حيويته، أم سيصبح مجرد منصة لإدارة النفوذ؟ هل ستنتج هذه المرحلة قيادة جديدة تمتلك رؤية، أم أن الفكرة ستظل غائبة، وسيغدو الحزب مجرد تنظيم يسعى للبقاء؟
في النهاية، ما يحدث في التجمع الوطني للأحرار ليس مجرد تغيير قيادي، بل اختبار أعمق للمشهد السياسي المغربي نفسه: قدرة الأحزاب على الصمود بعد رحيل الزعيم، على إنتاج قيادة جماعية، على إعادة ربط السياسة بالبرنامج لا بالشخص. الكاميرا ما تزال مفتوحة، والمشهد لم يُغلق بعد، والسؤال الأكبر يبقى معلّقًا: هل ستبقى السياسة أكثر من مجرد إدارة، أم أن إدارتها ستصبح السياسة نفسها؟













