الأميرة للا أسماء تدشن جامعة رائدة.. التعليم العالي يفتح أبوابه للصم وذوي السمع الطبيعي

هيئة التحريرمنذ 46 دقيقةآخر تحديث :
الأميرة للا أسماء تدشن جامعة رائدة.. التعليم العالي يفتح أبوابه للصم وذوي السمع الطبيعي

الرباط – في خطوة تجمع بين الابتكار العلمي والإنصاف الاجتماعي، أشرفت الأميرة للا أسماء، رئيسة مؤسسة للا أسماء، اليوم الخميس بالرباط، على تدشين جامعة للا أسماء، التي تقدمها المؤسسة باعتبارها أول جامعة دامجة من نوعها في العالم، في مشروع طموح يروم إعادة رسم ملامح التعليم العالي، من خلال إتاحة فرص التكوين أمام الطلبة الصم وضعاف السمع إلى جانب أقرانهم من ذوي السمع الطبيعي، ضمن مسارات أكاديمية مشتركة تقوم على تكافؤ الفرص وتوحيد آفاق النجاح.

ولا يتعلق الأمر بمجرد إحداث مؤسسة جامعية جديدة، بل بإطلاق تجربة تعليمية متكاملة تسعى إلى تحويل الإدماج من مبدأ نظري إلى ممارسة فعلية، عبر الجمع بين التكوين الأكاديمي والرعاية الطبية والابتكار التكنولوجي والتأهيل المهني، بما يتيح للشباب اكتساب كفاءات متخصصة ويفتح أمامهم آفاقا أوسع للاندماج في سوق الشغل والمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وتراهن الجامعة على إرساء نموذج يجمع بين التخصصات الطبية والعلمية والتكنولوجية والمهنية، مع إيلاء أهمية خاصة لعلوم السمع ولغة الإشارة والذكاء الاصطناعي، في توجه يعكس تحولا في مقاربة الإعاقة السمعية، من التركيز على الرعاية إلى الاستثمار في القدرات والمؤهلات وصناعة فرص الاستقلالية المهنية.

16 دبلوما و3500 مقعد لتكوين كفاءات المستقبل

وفق المعطيات التي أعلنتها مؤسسة للا أسماء، تتوفر الجامعة على أربع مدارس تقدم 16 دبلوما، تشمل مسارات تكوينية تمتد من الشهادات المهنية والتخصصات التطبيقية إلى مستوى الماستر، بطاقة استيعابية تصل إلى 3500 مقعد. كما يرتقب افتتاح داخلية جامعية سنة 2027، لاستقبال الطلبة القادمين من مختلف جهات المملكة، فضلا عن طلبة من خارج المغرب.

وتشكل مجانية التكوين في علوم السمع إحدى الركائز الأساسية لهذا المشروع، إذ تتيح للطلبة الصم وضعاف السمع وذوي السمع الطبيعي متابعة دراساتهم في بيئة مشتركة، بما يعزز التفاعل وتبادل الخبرات، ويمنح الجميع فرصا متكافئة لاكتساب المعارف والمهارات.

وتشمل التخصصات المبرمجة علوم السمع والأعصاب السريرية، وتقويم النطق والعلاج السمعي اللفظي، والإرشاد الأسري، وعلم النفس السريري، والتحليل التطبيقي للسلوك، وزراعة القوقعة، والترجمة الفورية بلغة الإشارة، والولوجيات والإعلام الدامج.

كما تمتد عروض التكوين إلى المعلوميات والذكاء الاصطناعي والتصميم الغرافيكي والفن الرقمي، إلى جانب تخصصات مهنية في الطبخ وصناعة الحلويات والشوكولاتة والخدمات، بما يوسع خيارات الشباب ويربط التكوين بمتطلبات سوق الشغل وتطور المهن.

شراكات وطنية ودولية لتعزيز التكوين والبحث العلمي

وعلى هامش حفل التدشين، أشرفت الأميرة للا أسماء على مراسم توقيع خمس اتفاقيات تعاون، وقعها كريم الصقلي، الرئيس المنتدب لمؤسسة للا أسماء، أمام سموها، بهدف تعزيز التعاون الأكاديمي والطبي والتكنولوجي، والاستفادة من الخبرات الوطنية والدولية في التكوين والبحث والابتكار.

وشملت هذه الاتفاقيات المعهد الاستشفائي الجامعي «ريكونيكت» بباريس، وجامعة مونبليي الفرنسية، وشراكة تجمع الجامعة الكاثوليكية بلوفان والمدرسة العليا ليونار دو فانشي والمصحات الجامعية سان لوك ببلجيكا، فضلا عن جامعة محمد الخامس بالرباط والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.

وتهدف هذه الشراكات إلى تطوير البحث في المجالات المرتبطة بالصمم، بما فيها البحث الجيني والعلاج الجيني وطب السمع لدى الأطفال والبالغين، إلى جانب تحسين التكوين في تجهيزات السمع وزراعة القوقعة، وتعزيز تبادل الخبرات العلمية والأكاديمية.

كما تروم الشراكة البلجيكية تطوير الرعاية السريرية المرتبطة بزراعة القوقعة وتكوين أخصائيي السمع، فيما تستهدف الاتفاقية المبرمة مع جامعة محمد الخامس توطيد التعاون في التعليم العالي والبحث العلمي.

وفي الجانب الإعلامي، تفتح الشراكة مع الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المجال أمام تكوين مترجمين بلغة الإشارة للعمل في القنوات التلفزيونية والإذاعية، وتطوير مضامين إعلامية أكثر ولوجا، فضلا عن تأهيل الشباب الصم للعمل في مجالات الصورة والإنتاج السمعي البصري.

وكانت المؤسسة قد أبرمت، قبل أسابيع، اتفاقية سادسة مع مؤسسة أكاديمية أمريكية من شيكاغو، لدعم التكوين والبحث في مجال التحليل التطبيقي للسلوك، من خلال إحداث مسلك للماستر ومختبر متخصص، مع توفير التأطير العلمي وتبادل الخبرات والأساتذة والطلبة.

سبعة مختبرات تجمع الطب بالتكنولوجيا والابتكار

وتضم الجامعة سبعة مختبرات متخصصة تشكل أحد أبرز مكونات بنيتها التعليمية، إذ توفر فضاءات تجمع بين التكوين النظري والتطبيق العملي والبحث العلمي، في بيئة تستجيب لمتطلبات التخصصات الحديثة.

ويبرز ضمن هذه البنية مختبر الابتكار، الذي يركز على الذكاء الاصطناعي والروبوتات البشرية وتطوير حلول تكنولوجية لتيسير التواصل بلغات الإشارة. كما تضم الجامعة مختبر الحركة «موشن لاب»، الذي جهزته الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، ويخصص لتسجيل لغة الإشارة المغربية وتطوير شخصيات افتراضية ومضامين تعليمية وقاموس بصري مرجعي.

وتشمل البنية كذلك مختبر الإدماج، المخصص للتوجيه وتنمية المهارات التواصلية والعلاقاتية ودعم ريادة الأعمال، ومختبرا رقميا لتطوير المواقع الإلكترونية والتطبيقات والبرمجيات.

أما في المجال الطبي، فتتوفر الجامعة على مختبر للتشريح متخصص في الأنف والأذن والحنجرة، يتيح للجراحين التدرب على عمليات زراعة القوقعة قبل إجرائها، إلى جانب مختبر للسمع مخصص للفحوصات وضبط الأجهزة المساعدة على السمع، ومختبر للتحليل التطبيقي للسلوك، يهدف إلى تدريب المتخصصين على مواكبة الأطفال الذين يحتاجون إلى دعم في النمو والتواصل.

ويعكس هذا التنوع توجها نحو تجاوز أساليب التكوين التقليدية، من خلال توفير بيئة تطبيقية تمكن الطلبة والمهنيين من تطوير خبراتهم والاستعداد لمتطلبات الممارسة المهنية والبحث العلمي.

من التكوين إلى التشغيل.. رهان على توسيع فرص الإدماج

ويشكل تعزيز فرص التشغيل أحد الأهداف المركزية لجامعة للا أسماء، التي تسعى إلى إعداد كفاءات قادرة على الولوج إلى مجالات مهنية متعددة، بما فيها تخصصات ظلت تواجه فيها فئة الصم وضعاف السمع صعوبات مرتبطة بالتواصل والولوج إلى التكوين والعمل.

وتتيح المسارات المقترحة أمام حاملي شهادة البكالوريا، من الصم وذوي السمع الطبيعي، فرص التخصص في علوم السمع وتقويم النطق وعلم النفس السريري والترجمة بلغة الإشارة وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فضلا عن المهن التقنية والحرفية والخدماتية.

ويمتد هذا التوجه إلى تكوين العاملين في قطاعات الخدمات والاستقبال، إذ أفادت المؤسسة بأن مؤسسات بنكية وفندقية ستوفد موظفين للاستفادة من برامج تدريبية تركز على تطوير مهارات التواصل مع الزبائن الصم. كما يرتقب أن يشمل التكوين فرق الاستقبال بأحد الملاعب المرتبطة باستعدادات المغرب لاحتضان كأس العالم لكرة القدم 2030.

وتكتسي هذه المبادرات أهمية خاصة في سياق الاستعداد لتنظيم المونديال بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وما يفرضه ذلك من تعزيز الولوجيات وتحسين خدمات الاستقبال داخل الملاعب والفنادق ووسائل النقل والمرافق العمومية، بما يضمن ظروفا أفضل للأشخاص الصم وضعاف السمع.

ومن خلال تكوين مترجمين وأطر متخصصة ومهنيين مؤهلين، تراهن الجامعة على جعل التواصل الدامج جزءا من الممارسة اليومية داخل المؤسسات، بما يتجاوز المقاربة التي تحصر الإدماج في مبادرات ظرفية أو التزامات معلنة.

مسارات مشتركة لتكريس تكافؤ الفرص

وتستهدف الجامعة أيضا شبابا استفادوا من برامج المواكبة التي توفرها مؤسسة للا أسماء، من بينهم أشخاص خضعوا لعمليات زراعة القوقعة خلال طفولتهم وتمكنوا من تطوير قدراتهم التواصلية، حيث ستتاح لهم إمكانية متابعة المسارات الدراسية نفسها التي يلجها باقي الطلبة.

ويقوم هذا التصور على جمع الطلبة داخل فضاء جامعي واحد، بما يتيح بناء علاقات أكاديمية ومهنية مشتركة، وتبادل التجارب، مع توفير التكوين المتخصص الذي يستجيب لاحتياجات كل طالب.

ويعكس هذا الاختيار قناعة مفادها أن الإدماج لا يتحقق فقط بتوفير الرعاية الصحية، بل يتطلب أيضا ضمان فرص متكافئة في التعليم والتشغيل والمشاركة في الحياة العامة، وتمكين الأشخاص الصم وضعاف السمع من تطوير قدراتهم وتحقيق استقلاليتهم.

الأميرة للا أسماء تطلع على التجهيزات والمختبرات

وخلال حفل التدشين، استقبلت البروفيسورة نوال بويحياوي، رئيسة جامعة للا أسماء، الأميرة للا أسماء، قبل أن تزيح سموها الستار عن اللوحة التذكارية إيذانا بالافتتاح الرسمي للمؤسسة.

كما قامت الأميرة بجولة شملت عددا من المختبرات والورشات، واطلعت على التجهيزات المخصصة للمحاكاة الطبية وزراعة القوقعة والرقمنة والابتكار والتكوين المهني، كما التقت بأعضاء هيئة التدريس والمسؤولين والشركاء المساهمين في إنجاز المشروع.

وشملت الزيارة فضاءات المحاكاة الطبية ومختبر السمع واستوديو التقاط الحركة والورشات المهنية، بحضور عدد من الأكاديميين والمسؤولين وممثلي المؤسسات الوطنية والشركاء الدوليين.

مشروع يتجاوز التعليم إلى بناء نموذج جديد للإدماج

وبحسب مؤسسة للا أسماء، يجسد إحداث الجامعة مرحلة جديدة في مسار عملها، تقوم على الانتقال من تقديم الرعاية إلى تكوين الكفاءات القادرة على تقديمها مستقبلا، من خلال جمع الطلبة الصم وذوي السمع الطبيعي في مسارات تعليمية مشتركة، وتوفير بيئة جامعية تتيح لهم اكتساب المعارف والمهارات والمنافسة على فرص العمل.

وأكد كريم الصقلي، الرئيس المنتدب للمؤسسة، أن المؤسسة انتقلت، بعد سنوات من تقديم الرعاية، إلى مرحلة تكوين الأشخاص الذين سيتولون تقديمها مستقبلا، مشددا على أن الرؤية المعتمدة تقوم على جعل الإدماج قاعدة مشتركة داخل المنظومة التعليمية.

وبين التخصصات الطبية الدقيقة والانفتاح على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة والتكوين المهني، تضع جامعة للا أسماء نفسها أمام رهان يتجاوز حدود المؤسسة الجامعية، نحو الإسهام في تطوير مقاربة أكثر شمولا للتعليم والتشغيل.

غير أن الأثر الحقيقي لهذا المشروع سيقاس بقدرته على تحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج ملموسة، من خلال تخريج كفاءات مؤهلة، وتوسيع فرص الشغل، وتعزيز حضور الأشخاص الصم وضعاف السمع في مختلف القطاعات، حتى يصبح الإدماج ممارسة يومية مستدامة، لا مجرد شعار أو مبادرة مؤسساتية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة