بين الوفاء الحزبي وإغراءات الميركاتو الانتخابي: أي أخلاق سياسية تؤطر استحقاقات شتنبر؟

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
بين الوفاء الحزبي وإغراءات الميركاتو الانتخابي: أي أخلاق سياسية تؤطر استحقاقات شتنبر؟

الساحل بريس : الصغير محمد

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المرتقبة في شتنبر المقبل، يعود سؤال قديم/متجدد ليطفو على سطح النقاش العمومي: هل سنشهد مرة أخرى “موسم انتقالات” سياسيا شبيها بالميركاتو الكروي، أم أن النخب المنتخبة ستلتزم هذه المرة بالانتماءات الحزبية التي أوصلتها إلى مواقع المسؤولية في انتخابات 2021؟

ليس الأمر مجرد تكهنات عابرة، بل هو اختبار حقيقي لمدى نضج الحياة السياسية في الداخلة ، ولقدرة الأحزاب على ترسيخ معنى الانتماء السياسي كاختيار فكري وبرنامجي، لا كوسيلة ظرفية للتموقع داخل دوائر النفوذ. فالترحال السياسي، أو ما يُصطلح عليه شعبيا بـ”الميركاتو الانتخابي”، لا يعكس فقط أزمة أخلاقية لدى بعض الفاعلين، بل يكشف كذلك عن اختلالات بنيوية في النظام الحزبي نفسه.

في الظاهر، يبدو الترحال ممارسة فردية؛ منتخب يغير لونه الحزبي بحثا عن حظوظ أوفر. لكن في العمق، هو تعبير عن هشاشة الوساطة الحزبية، حيث تتحول الأحزاب من مؤسسات تؤطر المواطنين وتنتج النخب، إلى مجرد منصات انتخابية مفتوحة، تستقبل “المرشحين الأقوياء” بدل أن تصنعهم. وهنا يكمن الخلل: حين تفقد الأحزاب قدرتها على التأطير، يصبح الولاء لها ضعيفا، ويصبح الانتقال بينها أمرا عاديا، بل ومبررا لدى البعض.

تاريخيا، حاول المشرع المغربي وضع قيود قانونية على ظاهرة الترحال، خاصة على مستوى المجالس المنتخبة، من خلال ربط فقدان العضوية بتغيير الانتماء السياسي خلال الولاية. غير أن الإشكال لا يكمن فقط في النصوص، بل في الثقافة السياسية التي تؤطر الممارسة. فالقانون يمكنه أن يحدّ من الظاهرة داخل المؤسسات، لكنه لا يستطيع منع “الترحال القبلي” الذي يسبق الانتخابات، حين يعاد توزيع المرشحين وفق حسابات انتخابية ضيقة.

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل سيحدث الميركاتو؟ بل: لماذا يستمر؟

الجواب يرتبط بثلاثة عوامل أساسية. أولها ضعف الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، ما يدفع بعض المنتخبين إلى البحث عن فضاءات بديلة. ثانيها هيمنة منطق “المرشح القابل للفوز” على حساب المناضل الحزبي، وهو ما يشجع الأحزاب نفسها على استقطاب وجوه جاهزة انتخابيا. أما العامل الثالث، فيتعلق بضعف المساءلة المجتمعية، حيث لا يعاقب الناخب دائما هذا السلوك، بل قد يكافئه أحيانا.

ومع ذلك، فإن السياق الحالي يحمل بعض المؤشرات المتباينة. فمن جهة، هناك وعي متزايد لدى الرأي العام بخطورة الترحال على مصداقية العمل السياسي، ومن جهة أخرى، لا تزال الحسابات الانتخابية الضيقة تغري الفاعلين بإعادة تموقعهم قبيل كل استحقاق. بين هذين المعطيين، ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة.

إن الرهان الحقيقي في انتخابات شتنبر لا يتعلق فقط بمن سيفوز، بل بكيفية خوض التنافس ذاته. هل سنكون أمام أحزاب تقدم برامج ورؤى متمايزة، أم أمام إعادة تدوير لنفس النخب بألوان مختلفة؟ هل سيصوت المواطن على أساس الانتماء الحزبي والاختيارات السياسية، أم على أساس الأشخاص وقدرتهم على “الترحال الناجح”؟

في النهاية، لا يمكن الحديث عن ديمقراطية حزبية حقيقية دون استقرار في الانتماءات، ودون وضوح في العلاقة بين المنتخب والحزب والناخب. فالميركاتو الانتخابي بجهة الداخلة ، مهما بدا تكتيكا ناجحا على المدى القصير، يظل مؤشرا على أزمة ثقة عميقة، لا يمكن تجاوزها إلا بإعادة الاعتبار للسياسة كفعل قيمي، لا كسوق مفتوحة للمصالح.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة