بين رفض صناديق الاقتراع وثقة الحزب.. كيف وصل مزواري والكلاع إلى الحكومة؟

هيئة التحريرمنذ 40 دقيقةآخر تحديث :
بين رفض صناديق الاقتراع وثقة الحزب.. كيف وصل مزواري والكلاع إلى الحكومة؟

أفرزت التشكيلة الحكومية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري مفارقة سياسية تستحق النقاش، بعدما انتقل كل من أحمد المهدي مزواري وعائشة الكلاع من تجربة انتخابية لم تفض إلى الفوز بمقعد برلماني، إلى تحمل مسؤولية وزارية باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وبينما لم تمنحهما صناديق الاقتراع تفويضا لتمثيل الناخبين داخل مجلس النواب، اختار الحزب تقديمهما ضمن الأسماء التي ستتولى تدبير الشأن العام من داخل الجهاز التنفيذي.

وتعيد هذه الحالة طرح سؤال جوهري حول طبيعة العلاقة بين الإرادة الانتخابية والقرار الحزبي، ومدى اختلاف معايير الوصول إلى البرلمان عن تلك المعتمدة لتولي الحقائب الوزارية. فالمواطن، من خلال تصويته، يعبر عن اختياره لممثليه، بينما يحتفظ الحزب السياسي بهامش من القرار في اقتراح الأسماء التي يراها مؤهلة لتحمل المسؤولية الحكومية، وفق حساباته التنظيمية والسياسية وموقعه ضمن مفاوضات تشكيل الأغلبية.

وبهذا المعنى، فإن عدم تجديد الناخبين الثقة في مرشحين خلال انتخابات 23 شتنبر 2026 لا يعني بالضرورة إقصاءهما من الحياة السياسية أو من إمكانية تحمل مسؤوليات حكومية. غير أن وصولهما إلى الوزارة يفتح نقاشا مشروعا حول الرسائل التي تبعث بها صناديق الاقتراع، ومدى انعكاسها على اختيارات الأحزاب عندما يتعلق الأمر بتوزيع المناصب التنفيذية.

فالأحزاب السياسية لا تشتغل فقط بمنطق المقاعد البرلمانية، بل تعتمد أيضا اعتبارات تتصل بالتمثيلية داخل الأغلبية، والتوازنات الداخلية، والخبرة، والقدرة على تدبير القطاعات الحكومية. وهي اعتبارات قد تفسر اختيار شخصيات لم تنجح في الحصول على مقاعد انتخابية، لكنها لا تعفي الأحزاب من تقديم توضيحات سياسية بشأن معايير انتقاء مرشحيها للمناصب الوزارية.

وفي حالة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تبرز المفارقة بين موقف الناخبين من مرشحين لم يتمكنا من الظفر بمقعدين برلمانيين، وقرار الحزب الدفع بهما نحو المسؤولية الحكومية. وهو تباين لا يشكل في حد ذاته مخالفة قانونية، لكنه يسلط الضوء على المسافة التي قد تفصل بين منطق التمثيل الانتخابي ومنطق التفاوض الحزبي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتشكيل الحكومات وتوزيع الحقائب.

كما أن تولي المسؤولية الوزارية لا يستند حصرا إلى الفوز في الانتخابات التشريعية، إذ يتيح الإطار الدستوري تعيين أعضاء الحكومة وفق المساطر المعمول بها. لذلك، فإن جوهر النقاش لا يتعلق بمشروعية التعيين في حد ذاته، بقدر ما يرتبط بالدلالات السياسية للاختيار، وبمدى قدرة الحزب على التوفيق بين احترام الرسائل الانتخابية وممارسة صلاحياته في اقتراح الشخصيات التي تمثله داخل الحكومة.

وبعيدا عن الجدل المرتبط بطريقة الوصول إلى المنصبين، سيظل أداء الوزيرين وحصيلتهما في القطاعين المسندين إليهما معيارا أساسيا لتقييم تجربتهما الحكومية. فالمسؤولية الوزارية تضع صاحبها أمام امتحان التدبير والنتائج، كما تفرض عليه تقديم ما يبرر الثقة التي وضعها فيه الحزب، حتى وإن لم تمنحه صناديق الاقتراع مقعدا داخل المؤسسة التشريعية.

وهكذا، تكشف حالة مزواري والكلاع عن وجهين مختلفين للثقة السياسية: ثقة الناخب التي تمنح عبر صناديق الاقتراع، وثقة الحزب التي تترجم إلى ترشيح وتزكية وتولي المسؤوليات. وبين المنطقين، يبقى السؤال المطروح: إلى أي حد تستطيع الاختيارات الحزبية أن تستوعب رسائل الناخبين، دون أن تتحول نتائج الانتخابات إلى محطة منفصلة عن القرارات التي تحدد تركيبة الحكومة؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة