في مجتمع يسعى للحفاظ على هويته وسط تحديات العولمة وتغير القيم، تبرز المبادرات الرمزية باعتبارها أبلغ تعبير عن عمق الانتماء الوطني وصلابة المرجعية الثقافية. ومن هذا المنطلق جاءت زيارة سيدي صلوح الجماني للمدرسة العلمية العتيقة لبيفورنا بإقليم تيزنيت، في سياق احتفالي بذكرى المولد النبوي الشريف، لتجسد معنى التكافل العملي وتعيد الاعتبار لدور المؤسسات الدينية في حماية الذاكرة المغربية.
الزيارة لم تكن حدثاً بروتوكولياً، بل فعل تضامني عبّر عنه الجماني من خلال مساهمة عينية تمثلت في تقديم جملين لفائدة طلبة العلم المقيمين في المدرسة، دعماً لاحتياجاتهم الأساسية وتشجيعاً لمسارهم العلمي. غير أن رمزية المبادرة تتجاوز بعدها المادي لتؤكد أن صون التعليم الديني التقليدي هو في جوهره صون للهوية الوطنية ذات الجذور العريقة.
وقد عبّر القائمون على المدرسة وطلبتها عن امتنانهم لهذه اللفتة التي اعتبروها دعماً لرسالة أعمق من مجرد الإعانة؛ رسالة تحافظ على موقع المدارس العتيقة كمؤسسات لصناعة العلماء وحفظة القرآن، ومراكز لإنتاج المعرفة الدينية التي شكّلت عبر التاريخ المغربي حصناً للهوية في مواجهة محاولات التغريب وفقدان الأصالة.
إن مبادرة الجماني تحمل أيضاً بُعداً سياسياً ضمنياً، إذ تؤكد أن دعم هذه المؤسسات ليس شأناً خيرياً فحسب، بل استثمار في بنية مجتمعية تشكّل أحد أعمدة الأمن الروحي للمملكة، وتحصيناً لموروثها الثقافي في زمن تتسارع فيه التحولات العالمية.
وفي هذا السياق، تنسجم المبادرة مع الرؤية الملكية التي ما فتئت تؤكد على دور المؤسسات الدينية والتعليمية في صيانة الهوية المغربية المتعددة الروافد، وتعزيز الأمن الروحي للمغاربة. فمثل هذه اللفتات العملية تعكس وعياً مجتمعياً يتناغم مع اختيارات الدولة الاستراتيجية للحفاظ على أصالة نموذجها الديني المعتدل وترسيخ قيم التضامن الوطني.