مائة يوم لا تكفي للحكم على حكومة المنصوري.. لكنها تكشف ملامح الانطلاقة واتجاه الأولويات

هيئة التحرير12 أكتوبر 2026آخر تحديث :
مائة يوم لا تكفي للحكم على حكومة المنصوري.. لكنها تكشف ملامح الانطلاقة واتجاه الأولويات

في السياسة، لا تبدأ المحاسبة يوم تقديم الحصيلة، بل منذ اللحظة التي تتحول فيها الوعود إلى قرارات، وتغادر البرامج قاعات الاجتماعات لتصطدم بتفاصيل الحياة اليومية. ومن هذا المنطلق، لن تكون المائة يوم الأولى من عمر الحكومة المرتقبة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري مجرد فترة تمهيدية لترتيب البيت الداخلي، بل اختبارا مبكرا لقدرتها على تحديد الأولويات وترجمتها إلى إجراءات ملموسة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق فقط بما تستطيع الحكومة إنجازه في مائة يوم، بل أيضا بما ستختار أن تبدأ به. ففي بلد تتداخل فيه تحديات القدرة الشرائية والسكن والتشغيل والاستثمار وجودة الخدمات العمومية، تصبح القرارات الأولى مؤشرا على طبيعة التوجه الحكومي، وعلى الملفات التي ستحتل مقدمة جدول الأعمال، وتلك التي قد تجد نفسها في انتظار طويل.

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية بالنظر إلى المسار السياسي لفاطمة الزهراء المنصوري، التي ارتبط اسمها بتدبير الشأن المحلي في مراكش، وبملفات التعمير والتدبير الحضري، كما تولت مسؤوليات حكومية في قطاع إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. وهي تجربة تجعل ملفات السكن والتعمير والتنمية الحضرية من بين المجالات التي يمكن أن تخضع فيها الانطلاقة الحكومية لقراءة دقيقة، من دون أن يعني ذلك أنها حُسمت سلفا باعتبارها أولويات الحكومة المقبلة.

السكن والتعمير.. من التجربة السابقة إلى اختبار النتائج

إذا كان هناك مجال يمكن أن يكشف مبكرا عن طبيعة المقاربة الحكومية، فهو السكن. فالحاجة إلى الولوج إلى سكن ملائم، وتكلفة العقار، وشروط الاستفادة من برامج الدعم، والتفاوتات بين المدن والمجالات القروية، كلها قضايا تتجاوز الأرقام المعلنة إلى أثر السياسات العمومية في حياة الأسر.

وفي هذا الملف، لن يكون السؤال مقتصرا على استمرار البرامج القائمة أو إطلاق مبادرات جديدة، بل سيمتد إلى مدى وضوح شروط الاستفادة، وسرعة تنزيل الإجراءات، وقدرة التدخلات الحكومية على الاستجابة لحاجيات الفئات التي تواجه صعوبات في اقتناء مسكن أو تحمل تكاليفه.

أما التعمير، فيطرح بدوره امتحانا مختلفا، يرتبط بمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين التوسع العمراني، وتوفير التجهيزات الأساسية، والحد من الاختلالات المجالية، وتسهيل الاستثمار، مع احترام قواعد التخطيط والشفافية. وهنا ستبرز أهمية التنسيق بين القطاعات الحكومية والجماعات الترابية، لأن كثيرا من الإشكالات لا يمكن معالجتها بقرار مركزي منفرد.

ومع ذلك، فإن المائة يوم الأولى لا تسمح وحدها بالحكم على نجاح سياسة سكنية أو إصلاح عمراني، بالنظر إلى ما تتطلبه هذه الأوراش من اعتمادات مالية ونصوص تنظيمية وتنسيق مؤسساتي. لكنها تتيح قياس مؤشرات البداية: وضوح الأهداف، وتحديد آجال التنفيذ، ونشر معطيات قابلة للتتبع، وتوضيح المسؤوليات.

الاستثمار والتشغيل.. الاختبار الذي يتجاوز لغة الأرقام

إلى جانب السكن والتعمير، يبرز الاستثمار باعتباره أحد الملفات التي يمكن أن تحدد إيقاع الانطلاقة الحكومية. فالإعلان عن تسهيلات للمستثمرين لا يكفي وحده، ما لم ينعكس على تبسيط المساطر، وتقليص آجال معالجة الملفات، وتحسين التنسيق الإداري، وتوفير مناخ أكثر وضوحا واستقرارا للمبادرة الاقتصادية.

غير أن اختبار الاستثمار لا ينفصل عن التشغيل. فالمعيار الذي ينتظره المواطن ليس حجم المشاريع المعلن عنها فحسب، بل قدرتها على خلق فرص عمل، وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، وتحسين شروط الاندماج المهني، خصوصا لدى الشباب.

ومن ثم، فإن ما يستحق المتابعة خلال المائة يوم الأولى هو مدى قدرة الحكومة على تحديد الإجراءات التي يمكن إطلاقها سريعا، والتمييز بينها وبين الإصلاحات الهيكلية التي تحتاج إلى وقت أطول. كما أن تقديم أهداف قابلة للقياس سيكون أكثر دلالة من الاكتفاء بإعلانات عامة حول تحفيز النمو أو دعم الاستثمار.

القدرة الشرائية والحماية الاجتماعية.. ما ينتظره المواطن خارج المكاتب

في المقابل، تظل القدرة الشرائية والحماية الاجتماعية من الملفات التي يصعب فصلها عن أي تقييم للانطلاقة الحكومية. فارتفاع تكاليف المعيشة، وتفاوت القدرة على الوصول إلى الخدمات، والانتظارات المرتبطة بالصحة والتعليم والدعم الاجتماعي، تجعل المواطنين أكثر اهتماما بالأثر المباشر للقرارات من اهتمامهم بتفاصيل الترتيبات السياسية.

وهنا تواجه الحكومة معادلة دقيقة: الاستجابة السريعة للاحتياجات الاجتماعية، من جهة، والحفاظ على التوازنات المالية وضمان استدامة البرامج، من جهة أخرى. ولا يمكن قياس التقدم في هذا المجال بعدد الإجراءات المعلنة وحده، بل بمدى وضوح الفئات المستهدفة، وفعالية آليات التنفيذ، وقدرة الحكومة على تفسير اختياراتها للرأي العام.

كما أن التواصل الحكومي سيكون جزءا من هذا الاختبار. فغياب المعلومات الدقيقة أو تأخر تقديم التوضيحات قد يوسع الفجوة بين ما تعلنه الحكومة وما يفهمه المواطن من قراراتها، حتى عندما تكون هناك إجراءات قيد التنفيذ.

من دروس الحكومات السابقة إلى مؤشرات الانطلاقة الجديدة

تقدم التجارب السابقة ما يكفي للتذكير بأن المائة يوم الأولى قد تجمع بين مؤشرات إيجابية واختلالات مبكرة. ففي يناير 2022، رصد تقييم للمائة يوم الأولى من حكومة عزيز أخنوش إجراءات مرتبطة بتعميم التغطية الصحية والمعاشات، وتحفيز الاستثمار، وتسوية مستحقات الضريبة على القيمة المضافة، وتعزيز التنسيق بين مكونات الأغلبية.

وفي المقابل، أشار التقييم إلى ضعف التواصل الحكومي، والارتباك في تدبير بعض القطاعات، والتأخر في تعيين كتاب الدولة، وعدم كفاية التدابير لمواجهة ارتفاع أسعار المواد الأساسية، إلى جانب ملفات لم تتضح بشأنها مبادرات كافية في الحوار الاجتماعي وإصلاح التقاعد وصندوق المقاصة ومحاربة الفساد.

أما حكومة سعد الدين العثماني، فقد قدمت في شتنبر 2017 حصيلة بعد 120 يوما من تعيينها، تضمنت 120 إجراء في مجالات التشغيل والاستثمار والحماية الاجتماعية والإصلاح الإداري، فضلا عن أوراش تنموية وتشريعية متعددة.

وتكشف هذه التجارب أن كثرة الإجراءات لا تعني بالضرورة تحقق النتائج، وأن إعلان الأولويات لا يعفي الحكومة من تحديد مؤشرات تسمح بتقييم أثرها. وهو درس ستكون له أهميته عند متابعة انطلاقة الحكومة المرتقبة: هل ستقدم برنامجا محددا بأهداف وآجال واضحة، أم ستكتفي بإعادة ترتيب الالتزامات العامة؟

البرنامج الحكومي.. الاختبار يبدأ من البرلمان

لا ينفصل هذا النقاش عن المسار المؤسساتي لتشكيل الحكومة. فوفقا للفصل 88 من الدستور المغربي، يعرض رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان البرنامج الذي يعتزم تطبيقه، وتتم مناقشته قبل التصويت عليه. وبذلك، يشكل البرنامج الحكومي مرجعا أساسيا لتحديد الالتزامات التي يمكن العودة إليها عند تقييم الأداء.

وفي حالة المنصوري، ستكون أهمية هذه المرحلة في مدى وضوح الاختيارات المتعلقة بالملفات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، وفي كيفية ترتيبها ضمن برنامج متكامل يحدد المسؤوليات ووسائل التنفيذ والآجال المتوقعة. أما الحديث عن اعتبار السكن أو التعمير أو الاستثمار أولويات حكومية محسومة، فيظل سابقا لأوانه ما لم يؤكده البرنامج الرسمي.

وفي هذا السياق، اعتبر هشام المهاجري، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، أن المائة يوم الأولى ستكون مرآة تكشف ملامح الحكومة الجديدة، ومدى نجاحها في تحويل الزخم الانتخابي إلى انطلاقة عملية تستجيب لانتظارات المواطنين.

مائة يوم لرصد الاتجاه.. لا لإصدار الحكم النهائي

في نهاية المطاف، لن تكون المائة يوم الأولى كافية للحكم النهائي على حكومة المنصوري، لكنها ستكون كافية لرصد اتجاهها الأولي: ما الملفات التي ستضعها في المقدمة؟ كيف ستوازن بين المطالب الاجتماعية والإمكانات الاقتصادية؟ وهل ستقدم التزامات واضحة يمكن تتبع تنفيذها، أم ستترك كثيرا من الأسئلة مفتوحة؟

وسيكون السكن والتعمير والاستثمار، إلى جانب القدرة الشرائية والحماية الاجتماعية، من المجالات التي تستحق المتابعة في ضوء تجربة المنصوري السابقة والانتظارات المطروحة، من دون استباق ما ستحدده الحكومة رسميا ضمن برنامجها.

ففي السياسة، لا تصنع الأيام المائة المعجزات، ولا تختصر وحدها مسار الإصلاح، لكنها تكشف طريقة التفكير في الحكم، وأسلوب ترتيب الأولويات، ومدى الاستعداد لتحويل التعهدات إلى عمل قابل للمساءلة. وبين ما ستعلنه الحكومة وما ستبدأ فعليا في تنفيذه، ستتشكل أولى الإشارات التي سيقرأ من خلالها المواطنون ملامح المرحلة المقبلة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة