الساحل بريس / الصغير محمد
في ظهوره الإعلامي المتكرر خلال السياق المرتبط بالانتخابات التشريعية بإقليم الداخلة، لفت الانتباه تكرار عبارة «نحنا قبيلة وحدة» في خطاب صلوح الجماني، خصوصا عندما يكون مخاطبوه منتمين إلى قبائل أخرى غير قبيلته.
ولا يبدو من المنهجي التعامل مع هذه العبارة باعتبارها دليلا قاطعا على نية سياسية محددة؛ فالخطاب الانتخابي بطبيعته يجمع بين اللغة الاجتماعية والثقافية والرمزية، وقد تكون العبارة في الوقت نفسه تعبيرا تلقائيا عن القرب، وجزءا من الثقافة التواصلية المحلية، وعنصرا من عناصر الخطاب السياسي في فترة انتخابية.
لكن تكرارها يجعلها جديرة بالقراءة، ليس من زاوية البحث عن «نية خفية»، وإنما من زاوية السؤال: ما الوظيفة التي يمكن أن تؤديها مثل هذه العبارة داخل خطاب انتخابي؟
أول ما يمكن ملاحظته هو أن عبارة «نحنا قبيلة وحدة» لا تعني، بالضرورة، وحدة قبلية بالمعنى الحرفي، خصوصا عندما يكون المخاطبون من قبائل مختلفة. ولذلك يمكن فهم «القبيلة» هنا باعتبارها إحالة رمزية إلى القرب والانتماء المشترك، أكثر مما هي توصيف فعلي لوحدة النسب.
وهذا الاستخدام يثير مسألة مهمة في سوسيولوجيا الانتخابات: كيف يجري الانتقال من الانتماءات الاجتماعية القائمة فعلا إلى أشكال أوسع من «الانتماء الرمزي» داخل المجال السياسي؟
قد تكون العبارة، في أحد تأويلاتها الممكنة، وسيلة لتخفيف المسافة الاجتماعية بين المرشح ومخاطبيه. فبدلا من إبراز اختلاف الانتماءات، يجري التركيز على ما يمكن أن يجمع بينها. وفي سياق انتخابي، يمكن لهذا النوع من الخطاب أن يساعد على بناء صورة أكثر شمولية للمرشح، باعتباره يخاطب مكونات متعددة من المجال الانتخابي بلغة القرب لا بلغة الاختلاف.
ومن الممكن أيضا قراءة العبارة في ضوء طبيعة الانتخابات التشريعية نفسها. فالمرشح لا يخاطب جماعة اجتماعية واحدة فقط، وإنما يسعى إلى الحصول على دعم داخل دائرة انتخابية أوسع. وبالتالي، فإن توسيع دائرة «نحنا» في الخطاب قد يكون له، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أثر في توسيع دائرة الجمهور الذي يشعر بأنه معني بالرسالة الانتخابية.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن العبارة صيغت لهذا الغرض تحديدا، ولا يمكن من خلالها وحدها إثبات وجود استراتيجية انتخابية واعية تقوم على استثمار الانتماءات القبلية.
هناك تفسير آخر لا يقل واقعية، وهو أن العبارة تنتمي إلى لغة التواصل الاجتماعي المحلية، حيث يكون التعبير عن القرب والمودة والانتماء المشترك جزءا من قواعد التخاطب، خصوصا في اللقاءات التي يغلب عليها الطابع الاجتماعي. وفي هذه الحالة، فإن حضور العبارة في الخطاب الانتخابي قد لا يكون سوى امتداد طبيعي للغة التي يستخدمها المتحدث في علاقاته الاجتماعية.
كما يمكن النظر إليها من زاوية ثالثة، وهي أن الخطاب الانتخابي لا يعتمد دائما على البرامج والقضايا السياسية المجردة، وإنما يستعمل أيضا الرموز التي يفهمها الجمهور ويتفاعل معها. ومن هذه الزاوية، تصبح عبارة «نحنا قبيلة وحدة» جزءا من عملية بناء التواصل والثقة، بغض النظر عما إذا كان وراءها تخطيط انتخابي مباشر أم لا.
لذلك، ربما يكون من الأدق الحديث عن احتمالات وظيفية للعبارة، وليس عن نية واحدة مؤكدة.
فهي قد تعكس رغبة في التقريب، وقد تساعد على تقديم المرشح باعتباره شخصية جامعة لمكونات اجتماعية مختلفة، وقد تكون مجرد تعبير مألوف عن الاحترام والمودة، وقد تجمع بين هذه الوظائف جميعا.
واللافت سوسيولوجيا أن العبارة لا تحاول، في ظاهرها، إنكار وجود الاختلافات القبلية، وإنما تتجاوزها لغويا عبر صياغة «نحن» أوسع منها. وهذا التحول من «القبيلة» باعتبارها انتماء أصليا إلى «القبيلة» باعتبارها صورة رمزية للوحدة، هو ما يمنح العبارة أهميتها داخل الخطاب الانتخابي.
ومن هنا يمكن القول إن أهمية «نحنا قبيلة وحدة» لا تكمن بالضرورة في اكتشاف ما كان يقصده الجماني في داخله، فهذا أمر لا يمكن استنتاجه من العبارة وحدها، وإنما في ملاحظة كيف يعمل الخطاب أمام الجمهور: إنه يستبدل، ولو مؤقتا، لغة الاختلاف بلغة التقارب، ويضع المرشح ومخاطبيه داخل إطار رمزي مشترك.
وفي الانتخابات التشريعية، حيث يحتاج المرشح إلى مخاطبة جمهور متعدد الانتماءات، يمكن لمثل هذه اللغة أن تكون ذات فائدة تواصلية واضحة، لأنها تجعل الرسالة أقل ارتباطا بالحدود القبلية الضيقة وأكثر انفتاحا على المجال الانتخابي الأوسع.
وعليه، فإن تكرار صلوح الجماني لعبارة «نحنا قبيلة وحدة» يمكن قراءته باعتباره مؤشرا على أهمية خطاب القرب والانتماء الرمزي في التواصل الانتخابي بالمنطقة، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود نية خفية أو استراتيجية محددة وراء كل استعمال لها.
فالتحليل السوسيولوجي الأكثر حذرا لا يسأل فقط: «ماذا أراد المرشح أن يفعل؟»، وإنما يسأل أيضا: «ماذا تتيح له هذه اللغة أن يقول، وكيف يمكن أن يستقبلها الجمهور، وما الذي يجعلها مناسبة لهذا السياق الانتخابي؟»
ومن هذه الزاوية، تصبح العبارة الصغيرة مدخلا لفهم جانب من الدعاية الانتخابية لا يظهر في البرامج والخطابات الرسمية، وإنما في اللغة اليومية التي يبنى بها القرب والثقة والشعور بالانتماء المشترك.













