الساحل بريس / الصغير محمد
تاريخ السياسة لا يكتبه تبدل الألوان الحزبية، بل تكتبه اللحظات التي تعيد فيها النخب تعريف موازين القوة داخل المجال العام. فالتحولات الكبرى تبدأ غالباً من حركة هادئة، تبدو في ظاهرها إعادة تموقع تنظيمي، لكنها في جوهرها تعكس انتقالاً في مركز الثقل السياسي، وإعادة توزيع لعناصر التأثير داخل المؤسسة والمجتمع.
ومن هذا المنظور، تبدو الأقاليم الجنوبية أمام مرحلة تستحق المتابعة، في ظل ما يتردد عن حراك سياسي تقوده شخصيات وازنة بجهة الداخلة – وادي الذهب. ولا يتعلق الأمر، في هذه القراءة، بانتقال محتمل من حزب إلى آخر بقدر ما يتعلق بسؤال أكثر عمقاً: هل بدأت تتشكل في الجنوب معادلة سياسية جديدة، قوامها تكامل القيادة، والخبرة التنظيمية، والامتداد المجتمعي؟
في العلوم السياسية، لا تكفي القيادة وحدها لبناء مشروع سياسي قادر على الاستمرار. فالقائد، مهما بلغت قدرته على التأثير، يحتاج إلى تنظيم يحول الرؤية إلى فعل، وإلى قاعدة اجتماعية تمنح المشروع شرعيته. ومن هنا، يمكن فهم الاهتمام الذي يثيره التقاطع بين ثلاثة أسماء أصبحت حاضرة في النقاش السياسي الجهوي: الخطاط ينجا، وحما أهل بابا، وعبد الفتاح أهل المكي.
فالخطاط ينجا يمثل، في تقدير عدد من المتابعين، نموذج القيادة المؤسساتية التي استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن ترسخ حضورها في تدبير الشأن الجهوي، وأن تبني شبكة من التوافقات داخل فضاء سياسي يتسم بتعدد الفاعلين وتشابك المصالح. وهذه القدرة على إدارة التوازنات ليست تفصيلاً في العمل السياسي، بل هي إحدى أدوات استقرار المؤسسات، خاصة في الجهات التي تعرف أوراشاً استراتيجية كبرى.
أما حما أهل بابا، فيبرز بوصفه أحد الوجوه التي راكمت خبرة تنظيمية وانتخابية واسعة. فالسياسة، في جانب منها، هي فن بناء التنظيم، وإدارة التحالفات، وقراءة الخريطة الانتخابية قبل أن تتحول إلى أرقام. لذلك، فإن أي مشروع سياسي يسعى إلى ترسيخ حضوره يحتاج إلى هذا النوع من الخبرة التي تربط بين العمل الحزبي والعمل الميداني.
ويأتي عبد الفتاح أهل المكي ليكمل ضلعاً ثالثاً في هذه المعادلة، يتمثل في التواصل السياسي. فالقرب من المواطنين، والقدرة على التقاط انتظاراتهم، وتحويلها إلى خطاب ومبادرات، أصبح من أهم مصادر الشرعية في التجارب الديمقراطية الحديثة. فالمواطن لا يبحث فقط عن ممثل داخل المؤسسة، بل عن فاعل قادر على بناء علاقة مستمرة معه.
وعندما تلتقي هذه الأبعاد الثلاثة داخل مشروع واحد، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت الأقاليم الجنوبية تتجه نحو إعادة إنتاج نخبها السياسية وفق منطق جديد، يقوم على التكامل بين القيادة والتنظيم والتواصل، بدلاً من الاعتماد على النفوذ الفردي أو الظرفية الانتخابية.
وفي هذا السياق، يرى بعض المتابعين أن ما تشهده جهة الداخلة – وادي الذهب قد لا يبقى محصوراً في حدودها الجغرافية، بل قد يمتد، إذا توفرت شروطه السياسية والتنظيمية، نحو جهتي العيون الساقية الحمراء وكلميم وادنون، بما قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب المشهد الحزبي في الجنوب. غير أن مثل هذا الاحتمال يظل مرتبطاً بالقرارات التنظيمية الرسمية وبالتطورات السياسية المقبلة، ولا يمكن اعتباره نتيجة محسومة.
في النهاية، لا يُقاس نجاح أي مشروع سياسي بعدد الوجوه التي ينضم إليها، وإنما بقدرته على إنتاج الاستقرار، وتعزيز الحكامة، وتحويل المؤسسات المنتخبة إلى فضاءات لصناعة القرار العمومي. فإذا استطاعت القيادة أن تلتقي بالتنظيم، والتنظيم أن ينفتح على المجتمع، فقد تجد الأقاليم الجنوبية نفسها أمام مرحلة سياسية جديدة، يكون عنوانها الانتقال من إدارة التوازنات إلى بناء مشروع سياسي أكثر رسوخاً، وأكثر قدرة على مواكبة التحولات التنموية التي تعرفها المنطقة.













