في توقيت إقليمي ودبلوماسي بالغ الحساسية، اختارت الرباط تفعيل قنواتها الدبلوماسية مع نواكشوط، من خلال زيارة غير معلنة لوزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، إلى العاصمة الموريتانية، في خطوة تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن رهانات المرحلة المقبلة من ملف الصحراء المغربية، ومستقبل التنسيق بين البلدين.
وكشفت وسائل إعلام موريتانية، استناداً إلى مصادر خاصة، أن بوريطة حل بنواكشوط أمس الجمعة، حيث أجرى سلسلة من اللقاءات والمباحثات مع مسؤولين موريتانيين، تناولت مستجدات العلاقات الثنائية والتطورات المرتبطة بقضية الصحراء، وذلك في أعقاب انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة «المينورسو» في 31 أكتوبر الماضي، وما يرافق ذلك من ترقب بشأن مستقبل المسار الأممي.
ووفق ما أوردته وكالة الأخبار الموريتانية المستقلة، فقد شكلت القضية الوطنية محوراً أساسياً ضمن هذه المشاورات، في ظل تحولات دولية متسارعة تفرض على الأطراف الإقليمية إعادة تقييم مواقفها وحساباتها، خصوصاً مع دخول النزاع مرحلة جديدة تتطلب تنسيقاً سياسياً ودبلوماسياً مكثفاً.
وتكتسي هذه الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى موقع موريتانيا في المعادلة الإقليمية، باعتبارها دولة مجاورة تربطها بالمغرب مصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية متشعبة، فضلاً عن دورها في الحفاظ على استقرار منطقة الساحل والصحراء، التي تواجه تحديات متزايدة على المستويين الأمني والجيوسياسي.
وتأتي هذه الخطوة في سياق دينامية دبلوماسية مغربية متواصلة، تسعى من خلالها الرباط إلى تعزيز موقع مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها حلاً سياسياً واقعياً وجاداً وذا مصداقية، يحظى بدعم دولي متنامٍ، مع توسيع دائرة التشاور مع شركائها الإقليميين بشأن آفاق التسوية النهائية للنزاع.
وفي المقابل، تواصل نواكشوط التأكيد على موقفها القائم على ما تصفه بـ«الحياد الإيجابي التام» إزاء قضية الصحراء، حيث سبق للناطق باسم الحكومة الموريتانية، محمد ولد ببانا، أن شدد على أن بلاده تريد أن تكون «جزءاً من الحل وليس جزءاً من المشكلة»، وهو موقف يبرز حساسية التوازنات التي تحكم التعاطي الموريتاني مع هذا الملف.
وبين ثوابت الموقف المغربي وحسابات الحياد الموريتاني، تبرز أهمية الحوار المباشر بين الرباط ونواكشوط، ليس فقط لتدبير مستجدات القضية الوطنية، وإنما أيضاً لتحصين العلاقات الثنائية من تداعيات التوترات الإقليمية، وتعزيز التعاون في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المشتركة.
وتعكس زيارة بوريطة، في هذا السياق، حرص المغرب على مواكبة التحولات الدبلوماسية المحيطة بملف الصحراء عبر تحركات استباقية، تستهدف تعزيز التنسيق مع دول الجوار، والحفاظ على المكتسبات الوطنية، والدفع نحو تسوية سياسية تستند إلى مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وبينما لم تكشف المعطيات المتداولة عن تفاصيل الاتفاقات أو المواقف التي انتهت إليها هذه المشاورات، فإن اختيار نواكشوط محطة لهذه التحركات يحمل دلالات سياسية واستراتيجية، ويطرح تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة من العلاقات المغربية الموريتانية، ومدى انعكاس هذه المشاورات على التنسيق بشأن ملف الصحراء المغربية.
فهل تكون زيارة بوريطة مقدمة لمرحلة جديدة من التشاور الإقليمي، في ظل التحولات التي يشهدها الملف؟ أم أن نواكشوط ستواصل التمسك بموقف الحياد الإيجابي مع الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الرباط؟ أسئلة تظل مفتوحة على تطورات الأيام المقبلة.













