الداخلة تحتضن ندوة علمية ترسم ملامح مقاربة متكاملة للتنمية المستدامة بالأقاليم الجنوبية

هيئة التحريرمنذ 44 دقيقةآخر تحديث :
الداخلة تحتضن ندوة علمية ترسم ملامح مقاربة متكاملة للتنمية المستدامة بالأقاليم الجنوبية

الساحل بريس / الداخلة

في سياق الاحتفاء بعيد الوحدة والذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء، احتضنت غرفة التجارة والصناعة والخدمات بمدينة الداخلة، يوم الخميس 5 نونبر 2026، ندوة علمية حول موضوع «مقاربة الأقاليم الجنوبية للتنمية المستدامة: جهة الداخلة وادي الذهب نموذجا»، نظمها مركز الساحل للبحث العلمي والتنمية المستدامة، بمشاركة نخبة من المسؤولين والباحثين والأكاديميين والفاعلين المحليين.


وشكل هذا اللقاء العلمي مناسبة لفتح نقاش أكاديمي ومؤسساتي حول رهانات التنمية المستدامة بجهة الداخلة وادي الذهب، واستشراف آفاق تثمين مؤهلاتها الاقتصادية والبيئية والثقافية، في ظل التحولات التنموية والمجالية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة، وما تفرضه من مقاربات جديدة قائمة على التكامل بين البحث العلمي والحكامة الترابية والاستثمار في الرأسمال البشري.

وتندرج هذه المبادرة ضمن الأهداف الاستراتيجية لمركز الساحل للبحث العلمي والتنمية المستدامة، الرامية إلى تعزيز البحث العلمي بالجهة، والانفتاح على القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والبيئية، والمساهمة في إنتاج معرفة علمية قادرة على مواكبة التحولات التنموية، انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى جعل البحث العلمي رافعة أساسية لخدمة القضايا الوطنية والتنمية المستدامة.

وافتتحت أشغال الندوة باستقبال الشخصيات والضيوف، من شيوخ ومنتخبين وأعيان وأطر إدارية وأساتذة باحثين وفعاليات من المجتمع المدني، إلى جانب ممثلي المنابر الصحفية، قبل أن تنطلق فقرات الحفل بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم بصوت القارئ الأستاذ سيد أحمد المسيدة، تلتها تحية العلم الوطني.

وتولى الأستاذ أحمد العالم، مدير الإسكان وسياسة المدينة بجهة الداخلة وادي الذهب وعضو المركز، تسيير أشغال الندوة، حيث رحب بالحضور وقدم السياق العام لهذا اللقاء وأهدافه العلمية والتنموية، مبرزا أهمية تعزيز دور مراكز البحث العلمي في مواكبة الأوراش التنموية بالجهة.

وفي الشق العلمي، تميزت الندوة بأربع مداخلات متخصصة تناولت أبعاد التنمية المستدامة من زوايا اقتصادية وبيئية وثقافية وطاقية.

وفي هذا الإطار، قدم الدكتور أحمد سالم الكارحي، المندوب الجهوي لمكتب تنمية التعاون بجهة الداخلة وادي الذهب، مداخلة حول «الاقتصاد الاجتماعي والتضامني رافعة للتنمية الترابية المستدامة بجهة الداخلة وادي الذهب: من تثمين الموارد المحلية إلى خلق القيمة»، سلط خلالها الضوء على الدور المتنامي للتعاونيات في تحريك الاقتصاد المحلي، وتعزيز الإدماج الاجتماعي، وتمكين النساء والشباب، وخلق فرص الشغل، وتحقيق العدالة المجالية، معتبرا أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يشكل مدخلا أساسيا لتحقيق تنمية أكثر شمولية واستدامة.

من جانبه، تناول الدكتور جمال أزيكو، المدير الجهوي للبيئة بجهة الداخلة وادي الذهب، موضوع «حماية البيئة ليست كلفة على التنمية بل هي شرط استدامتها»، مؤكدا أن الرصيد البيئي الاستثنائي الذي تزخر به الجهة، بما يشمله من شواطئ ومناطق طبيعية وتنوع بيولوجي، يستدعي اعتماد تدبير مستدام للموارد الطبيعية، وتعزيز الحكامة البيئية، وتكثيف جهود التوعية والتحسيس، بما يضمن التوفيق بين متطلبات الاستثمار والحفاظ على التوازنات الإيكولوجية.

أما الدكتور أحمد بابا أهل عبيد الله، رئيس مركز الساحل للبحث العلمي والتنمية المستدامة، فقد قدم مداخلة بعنوان «التنمية المستدامة وأجندة 2030: الاستدامة الثقافية بجهة الداخلة وادي الذهب وتثمين الرأسمال اللامادي في خدمة التنمية»، أبرز فيها أهمية إدماج الثقافة ضمن مقاربات التنمية المستدامة، إلى جانب الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

كما توقف عند ما تزخر به الجهة من رصيد ثقافي وحضاري غني، يتجسد في الثقافة الحسانية بما تحمله من شعر وموسيقى وحكاية وحرف تقليدية وذاكرة جماعية، مشددا على ضرورة حماية هذا الموروث وتوثيقه وتثمينه، ليس فقط باعتباره مكونا أساسيا للهوية المحلية، بل أيضا باعتباره موردا تنمويا يمكن استثماره في السياحة الثقافية والصناعات الإبداعية وخلق فرص الشغل وتعزيز الانتماء والوحدة الوطنية.

واختتمت المداخلات العلمية بعرض قدمه الدكتور سمير عفا، رئيس مصلحة الطاقة بالمديرية الجهوية لقطاع الطاقة والمعادن بالداخلة، حول موضوع «الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية: الإطار القانوني والمؤسساتي»، استعرض من خلاله الإطار التشريعي المنظم لهذا القطاع بالمغرب، خاصة القوانين 13-09 المتعلق بالطاقات المتجددة، و47-09 الخاص بالنجاعة الطاقية، و82-21 المتعلق بالإنتاج الذاتي للطاقة الكهربائية.

وأكد المتدخل أن جهة الداخلة وادي الذهب تتوفر على مؤهلات طبيعية استثنائية في مجال الطاقة الشمسية والريحية، تجعلها مؤهلة للاضطلاع بدور محوري في الانتقال الطاقي، واستكشاف آفاق الاستثمار في الهيدروجين الأخضر، بما يعزز السيادة الطاقية ويدعم مسار التنمية المستدامة.

وعقب العروض العلمية، فتح باب النقاش أمام الحاضرين، حيث شهد اللقاء تفاعلا أكاديميا من خلال مداخلات وملاحظات ساهمت في إغناء محاور الندوة، وبلورة مجموعة من الاستنتاجات والتوصيات الرامية إلى تطوير المقاربة التنموية بالجهة.

توصيات لتعزيز التنمية المستدامة بالجهة

وخلصت أشغال الندوة إلى جملة من التوصيات، ركزت أساسا على ضرورة اعتماد رؤية مندمجة للتنمية الترابية المستدامة، تقوم على التكامل بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية، مع تثمين البنيات التحتية الكبرى والمشاريع المهيكلة، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي ومحطات تحلية المياه ومشاريع الطاقة الريحية، وربطها بالاقتصاد المحلي لضمان انعكاس آثارها الإيجابية على الساكنة.

كما دعت التوصيات إلى تعزيز المبادرة المحلية والاستثمار في الرأسمال البشري، من خلال التكوين والتأطير والمواكبة وتشجيع المقاولات الناشئة لدى الشباب والنساء، إلى جانب ترسيخ الحكامة الجيدة والتدبير التشاركي عبر إشراك الجماعات الترابية والجامعة والمجتمع المدني والقطاع الخاص في إعداد وتنفيذ وتقييم السياسات التنموية.

وفي المجال البيئي والاقتصادي، شدد المشاركون على ضرورة اعتماد الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كمقاربة عرضانية تشمل مختلف القطاعات، وضمان تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص شغل ودخل ملموس، مع حماية الموارد الطبيعية وتعزيز الاقتصاد الأخضر والأزرق.

كما أوصت الندوة بإحداث لجنة جهوية مندمجة للماء والطاقة والاقتصاد الأزرق، وإنجاز دراسة علمية حول القدرة الاستيعابية لخليج وادي الذهب بشراكة مع الجامعة ومراكز البحث، فضلا عن تأهيل الكفاءات المحلية في المهن الخضراء والزرقاء، وتطوير التكوينات الجامعية والمهنية المتخصصة في الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية.

وعلى المستوى التشريعي والمؤسساتي، دعت التوصيات إلى تفعيل مقتضيات القوانين المنظمة للطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية والإنتاج الذاتي، وتبسيط مساطر الترخيص والاستثمار، وملاءمة النصوص التنظيمية مع الخصوصيات الطبيعية والمجالية للجهة، وتعزيز الأمن القانوني للمستثمرين، إلى جانب تقوية الموارد البشرية والتقنية للمديرية الجهوية لقطاع الطاقة والمعادن، وإرساء حكامة طاقية تشاركية تضمن العدالة في توزيع ثمار الانتقال الطاقي.

وفي الشق الثقافي، أكدت التوصيات أهمية إدماج الاستدامة الثقافية ضمن الاستراتيجية الجهوية للتنمية، انسجاما مع أهداف أجندة 2030، مع الدعوة إلى إحداث مرصد جهوي للتراث اللامادي بجهة الداخلة وادي الذهب، يتولى مهام التوثيق والبحث والتثمين، بشراكة مع الجامعة ومراكز البحث ووزارة الثقافة والمؤسسات الترابية.

وفي ختام هذا الموعد العلمي، جرى توزيع شواهد تقديرية على المؤطرين والمساهمين في إنجاح الندوة، قبل أن تتلو الأستاذة الغالية اكماش برقية ولاء وإخلاص مرفوعة إلى السدة العالية بالله صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، لتختتم الفعاليات باستراحة شاي جمعت المشاركين والضيوف.

وأكدت هذه الندوة، من خلال محاورها العلمية وتوصياتها، أهمية جعل البحث العلمي رافعة لمواكبة التحولات التنموية بجهة الداخلة وادي الذهب، والانتقال من تثمين المؤهلات الطبيعية والاقتصادية والثقافية إلى بناء نموذج تنموي متكامل، يجعل الإنسان والمجال والاستدامة في صلب السياسات العمومية والمشاريع المستقبلية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة