في لحظة دبلوماسية تتجاوز حدود المجاملة السياسية، وتقترب من إعادة تعريف المواقف، جدّدت المملكة المتحدة دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي قدّمها المغرب سنة 2007، باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع حول الصحراء. هذا الموقف، الذي عبّرت عنه وزيرة الخارجية البريطانية يفيت كوبر خلال مباحثاتها مع نظيرها المغربي ناصر بوريطة، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد استمرار لخط دبلوماسي تقليدي، بل بوصفه مؤشّرًا على تحوّل في إدراك لندن لطبيعة هذا النزاع وأفقه الممكن.
فالدعم البريطاني، في صيغته الجديدة، لا يكتفي بإعادة إنتاج خطاب التوازن، بل يميل إلى ترجيح كفة المقاربة الواقعية، بما يعني ضمنيًا الإقرار بأن الحلول النظرية التي ظلت مؤجَّلة لعقود لم تعد قابلة للحياة. إننا أمام انتقال من دبلوماسية الحياد الحذر إلى دبلوماسية الانخراط المسؤول، حيث تصبح المبادرة المغربية أرضية عملية لإعادة بناء أفق التسوية، بدل البقاء في دائرة الانتظار العقيم.
هذا التحوّل لا ينفصل عن سياق دولي أوسع، يشهد تزايدًا في عدد الدول التي باتت ترى في الحكم الذاتي خيارًا ممكنًا، ليس فقط لأنه يلبّي اعتبارات السيادة، بل لأنه يستجيب أيضًا لمتطلبات الاستقرار الإقليمي. فالنزاع، في جوهره، لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل صار عنصرًا معطّلًا لديناميات التنمية والتكامل في المنطقة.
وعلى مستوى العلاقات الثنائية، تعكس المباحثات بين الرباط ولندن رغبة واضحة في الارتقاء بالشراكة إلى مستوى أكثر براغماتية. فقد شدّد الطرفان على متانة الروابط الاستراتيجية، مع التأكيد على ضرورة توسيع مجالات التعاون لتشمل قطاعات الأمن والاستثمار والتبادل التجاري، في سياق دولي تتزايد فيه التحديات العابرة للحدود.
كما لم تغب القضايا الجيوسياسية عن هذا الحوار، حيث برز الاهتمام المشترك بأمن الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، بما يعكس إدراكًا متبادلًا لارتباط الأمن الإقليمي باستقرار سلاسل الإمداد العالمية.
أما في البعد الاقتصادي، فيلوح تنظيم كأس العالم 2030 كرافعة استراتيجية لإعادة تشكيل التعاون بين البلدين، إذ يُنظر إلى هذا الحدث باعتباره فرصة لتقاطع المصالح في مجالات البنية التحتية والاستثمار ونقل الخبرات، بما يفتح أفقًا جديدًا أمام الفاعلين الاقتصاديين.
في المحصلة، لا يبدو الموقف البريطاني مجرد إعلان دعم، بل هو تعبير عن تحوّل في بنية التفكير السياسي تجاه النزاع، حيث تتقدّم الواقعية على الشعارات، ويُعاد ترتيب الأولويات وفق منطق الاستقرار الممكن، لا المثال المؤجَّل.













