الساحل بريس / الصغير محمد
مع الإعلان الرسمي عن مرشحي حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، ودخول أحزاب أخرى على خط المنافسة، تدخل جهة الداخلة وادي الذهب مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الظاهر هو التنافس الانتخابي، لكن جوهرها الحقيقي يتجاوز مجرد صراع بين الأحزاب. فالانتخابات المقبلة تبدو أقرب إلى اختبار لإعادة تشكيل موازين القوة داخل النخب المحلية، وقياس قدرة كل مرشح على تحويل رصيده السياسي والاجتماعي إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل سنكون أمام موسم انتخابي ساخن يحمل مفاجآت حقيقية، أم أن الناخبين باتوا يرسمون ملامح النتائج قبل يوم الاقتراع، بالنظر إلى الثقل السياسي والاجتماعي الذي يتمتع به أبرز المرشحين؟
في إقليم وادي الذهب، تتجه الأنظار إلى مواجهة عنوانها الأبرز الخطاط ينجا، رئيس مجلس جهة الداخلة وادي الذهب ومرشح حزب الأصالة والمعاصرة، في مقابل أمبارك حمية، نائب رئيس الجهة ومرشح حزب التجمع الوطني للأحرار. ورغم اختلاف اللونين السياسيين، فإن الرجلين ينتميان إلى مدرسة واحدة في تدبير الشأن العام، وشاركا معاً في قيادة مشاريع كبرى عرفتها الجهة خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل المنافسة بينهما أقرب إلى صراع حول من يمتلك الشرعية الأكبر لقيادة المرحلة المقبلة، أكثر منها اختلافاً جذرياً في الرؤى التنموية.
أما في إقليم أوسرد، فإن المشهد يكتسب خصوصية مختلفة، حيث يتنافس عبد الفتاح أهل المكي، مرشح حزب الأصالة والمعاصرة، ومحمد الأمين حرمة الله، مرشح حزب التجمع الوطني للأحرار، وهما اسمان تجمعهما روابط أسرية واجتماعية معروفة داخل الإقليم. وهذه الخصوصية قد تجعل سقف الخطاب الانتخابي أكثر هدوءاً، لكنها لا تلغي حقيقة أن كل طرف سيدافع عن موقعه السياسي ويسعى إلى إثبات حضوره داخل معادلة التمثيلية البرلمانية. فالقرابة العائلية قد تخفف من حدة الخطاب، لكنها لا تنهي منطق التنافس الذي يبقى قائماً حول من يحظى بثقة الناخبين.
غير أن السياسة لا تُقرأ فقط من خلال العلاقات الاجتماعية أو الانتماءات القبلية، بل من خلال القدرة على بناء النفوذ، وإدارة التحالفات، وامتلاك أدوات التأثير داخل المؤسسات. لذلك، قد نجد تقارباً في الخطاب التنموي بين مختلف المرشحين، بينما يكمن الاختلاف الحقيقي في أسلوب إدارة النفوذ السياسي وكيفية تمثيل الجهة داخل دوائر القرار.
وفي خضم هذه المنافسة، يعود اسم الجماني إلى الواجهة بعد تراجع حضوره في انتخابات 2021، في محاولة لاستعادة موقعه داخل المشهد السياسي. غير أن العودة إلى السباق الانتخابي لا تعني بالضرورة استعادة المكانة السابقة، إذ سيكون مطالباً بإقناع الناخبين بأن لديه مشروعاً سياسياً جديداً، وقادراً على استرجاع جزء من القاعدة الانتخابية التي فقدها في الاستحقاقات الماضية.
كما يبرز اسم الناجم بكار، رئيس جماعة تشلا، الذي يقرر خوض أول تجربة له في الانتخابات التشريعية. وهي خطوة تعكس طموحاً للانتقال من تدبير الشأن المحلي إلى التمثيل البرلماني، لكنها في المقابل تضعه أمام اختبار صعب، يتمثل في مدى قدرته على توسيع دائرة التأييد خارج المجال الجماعي، وتحويل تجربته المحلية إلى رصيد انتخابي على مستوى الإقليم.
ومن بين الأسماء التي تستحق التوقف عندها أيضاً، يبرز محمد بوبكر، الذي يعود إلى واجهة المنافسة هذه المرة من بوابة حزب الاستقلال، بعد مسار سياسي عرف انتقالات بين أكثر من تنظيم حزبي؛ إذ كان ضمن صفوف حزب الأصالة والمعاصرة قبل انتخابات 2021، ثم خاض تلك الاستحقاقات باسم حزب التقدم والاشتراكية، قبل أن يختار اليوم تمثيل حزب الاستقلال في انتخابات 2026. غير أن قراءة حضوره لا ينبغي أن تختزل في مسألة التنقل الحزبي فقط، فالرجل يُعد من السياسيين الذين يعرفون جيداً كيف تُدار السياسة بإقليم أوسرد، ويمتلك معرفة دقيقة بتوازناته الاجتماعية والانتخابية، كما راكم تجربة ميدانية جعلته يحافظ على شبكة من الأنصار والمؤيدين الذين ظلوا يساندونه في مختلف محطاته السياسية. ولذلك، فإنه يظل أحد الأسماء القادرة على التأثير في مجريات المنافسة، ويبقى التحدي أمامه هو مدى نجاحه في تحويل هذا الرصيد السياسي والاجتماعي إلى مكسب انتخابي تحت اللون الاستقلالي، في سباق لن تحسمه الشعارات وحدها، بل قدرة كل مرشح على تعبئة قواعده واستقطاب أصوات جديدة.
ورغم أن المؤشرات الأولية توحي بأن عدداً من المرشحين يدخلون السباق وهم يمتلكون ثقلاً انتخابياً واضحاً، فإن الاعتقاد بأن النتائج حُسمت قبل فتح صناديق الاقتراع يبقى استنتاجاً يحتاج إلى كثير من الحذر. فالانتخابات لا تُقاس فقط بحجم النفوذ أو الامتداد الاجتماعي، وإنما أيضاً بنسبة المشاركة، وقوة التعبئة الميدانية، والتحالفات التي تُنسج في الأسابيع الأخيرة، إضافة إلى مزاج الناخب الذي قد يفاجئ الجميع عندما يشعر بأن صوته قادر على تغيير المعادلة.
في النهاية، تبدو جهة الداخلة وادي الذهب مقبلة على واحدة من أكثر محطاتها الانتخابية إثارة. وإذا كان البعض يرى أن أسماء المرشحين تجعل النتائج شبه محسومة، فإن السياسة، بطبيعتها، لا تعترف باليقين المطلق. فهي مجال تتقاطع فيه المصالح والتحالفات والرهانات، وتبقى فيه الكلمة الأخيرة للناخب وصندوق الاقتراع.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لن يكون فقط من سيفوز؟، بل أي نموذج للتمثيل السياسي يريده أبناء الداخلة ووادي الذهب خلال المرحلة المقبلة؟ وهل ستكرس انتخابات 2026 موازين القوى القائمة، أم أنها ستفتح الباب أمام إعادة تشكيل المشهد السياسي في واحدة من أكثر الجهات حساسية واستراتيجية على المستوى الوطني؟













