الآفاق الجديدة للعلاقات المغربية الإسبانية

هيئة التحرير23 سبتمبر 2022آخر تحديث : الجمعة 23 سبتمبر 2022 - 5:48 مساءً
هيئة التحرير
أخبار دولية
الآفاق الجديدة للعلاقات المغربية الإسبانية

بقلم : أحمدو بنمبا

حمل استئناف العلاقات الإسبانية المغربية عقب زيارة رئيس الحكومة الإسباني للمغرب قبل أشهر ، نقطة تحول حملت كثيرا من الآفاق التي اتفق البلدين على تدشينها بمنطق الاحترام المتبادل بما يخدم مصالح وسلامة الطرفين حسب ما عبر عنه رئيس الحكومة الإسباني عقب الزيارة ، وبتعبير خطاب الملك محمد السادس ، “تدشين مرحلة غير مسبوقة في علاقة البلدين” ، لكن هل يحمل استئناف العلاقات بين المغرب وإسبانيا مرحلة غير مسبوقة؟ أو أن الأمر لا يعدو أن يكون استئنافا طبيعيا للعلاقات لا يحمل تطورا نوعيا؟

لعل أغلب ما تم الإتفاق عليه في العلاقات القائمة بين البلدين ، وهي استئناف حركة البضائع والأفراد ، وحركة المواصلات البرية والبحرية والجوية ، ثم شراكات تهم الجوانب الاقتصادية والثقافية والتعليمية وشؤون الهجرة والطاقة والصناعة .

إن الجديد في العلاقات المغربية الإسبانية تيبرز في نقطتين اثنتين : أولاهما الموقف الإيجابي الداعم للمغرب ، وهذا له تأثير إقليمي لصالح المغرب داخل أروقة المنتظم الدولي، وفي علاقة إسبانيا بجبهة البوليساريو ، التي كانت تستفيد من موقف إسبانيا التقليدي ، الذي كان في طبيعته يعمد من جهة إلى توفير الحماية والدعم لمجموعة من عناصر الجبهة الانفصالية ، وفي علاقته بالمغرب ينزع إلى اللاموقف من قضية مغربية الصحراء أو مقترح الحكم الذاتي ، وذلك بهدف تأييد النزاع ، مما يشغله عن قضايا أخرى تتنازع فيها مصالحه مع إسبانيا أو دول أخرى بالاتحاد الأوروبي .

ويعد الموقف الإسباني بخصوص مغربية الصحراء تطورا نوعيا يفيد المغرب من جهة في كسب رهان قضيته الوطنية الأولى ، ويضعف الجبهة الانفصالية والأطراف الداعمة لها ، وهو ما يفسر لنا طبيعة ردود الفعل الانفعالية المعبر عنها داخل الجبهة ، ثم لدى الجزائر التي توفر الدعم والرعاية للجبهة الانفصالية منذ سبعينيات القرن الماضي ، مما يعني أن الأزمة الراهنة بين الجزائر وإسبانيا قائمة بسبب تغير الموقف الإسباني الذي كان يخدم الأطروحة الانفصالية، ومنه يشكل دعما للجزائر التي أضحت في واجهة الصراع وفي حالة اضطراب وتناقض في المواقف بفعل التغيرات التي طرأت بخصوص قضية الصحراء ، ولم يستطع صانع القرار الجزائري استيعاب تلك التغيرات ، بما ينتج مراجعات ضرورية تنتصر للوحدة على حساب التجزئة وللجوار ومصالح الإقليم في التعاون، بدل إذكاء النزاع وخصومات تضر كل الأطراف.

أما النقطة الثانية التي تحمل أهمية كبرى كذلك، وهي لا تقل أهمية عن الموقف من الصحراء، فتهم “تحيين معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون لسنة 1991″، على أساس المبادئ والمحددات والأولويات التي ستوجه العلاقات الثنائية في السنوات المقبلة ، وأهميتها تكمن في كونها بالإضافة إلى تحيين الأسس والمبادئ التي تقوم عليها العلاقة بين البلدين ، وحل المسائل المختلف فيها سلميا، وفي علاقة البلدين بعضهما البعض ، بحكم التداخل الحاصل بينهما في التاريخ والجغرافيا ، فإن مناطق النزاع وأسبابه ، وإن خفتت في سياقات معينة ، فإنها ستبرز مرة أخرى ، وأهم القضايا التي ستكون عاملا مؤثرا على العلاقات الثنائية هي سبتة ومليلية ، ما يستدعي من الطرفين بلورة حلول مستقبلية بشأنهما .

ختاما، إن المنعرجات التي مرت بها العلاقات الإسبانية المغربية، وآفاق التعاون التي تم الإعلان عنها مؤخرا بمناسبة استئناف العلاقات ، قد تكون في إستقرار دائم إذا ما بقيت خاضعة للأهداف المشتركة لا الأهداف المتحركة والمتغيرة .
لقد أضحت قضية الصحراء بالنسبة للمغرب في السنة الأخيرة تأخذ زخما داخل دول متعددة تشكل فيها موقف إستراتيجي داعم للمقترح الذي يقدمه المغرب، وهذا يمنح المغرب دينامية جديدة، مما يدفع إلى التذكير بأن تحقيق علاقات من الود والاحترام والندية بين الدول إنما تقوم في ترسيخ أسس دولة المؤسسات والحقوق والحريات، ومن جانب آخر العمل على تحقيق التقدم بمختلف أبعاده.

ذلك أن ميزان القوة الاقتصادي والتقني والعلمي والثقافي بين إسبانيا والمغرب به بون شاسع ، وردم تلك الهوة يخدم المغرب في قضاياه الإستراتيجية مع إسبانيا ، التي يوجد معها تاريخ وجغرافيا متداخلين، والاحترام المتبادل وتحقيق الندية الذي تحسم فيه القوة الاقتصادية والعلمية والثقافية والسياسية ، إذ إن المغرب في المخيال الإسباني ليس مجرد دولة عادية على الحدود، أو دركي يحرس الشمال من هجرة شعوب الجنوب، إنما هو المغرب بمقوماته الحضارية والثقافية والسياسية الغنية والقوية في الآن ذاته، والمغرب إن كان قويا ففي سياق الاحترام المتبادل هو دعامة استقرار لإسبانيا وأوروبا برمتها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة