مخطط التهيئة بالداخلة.. عندما يختلط القانون بالسياسة وتحاكم المدينة بذاكرة عمرانية مثقلة بالاسئلة

هيئة التحرير17 يوليو 2026آخر تحديث :
مخطط التهيئة بالداخلة.. عندما يختلط القانون بالسياسة وتحاكم المدينة بذاكرة عمرانية مثقلة بالاسئلة

الساحل بريس / الصغير محمد

لم يكن النقاش الذي احتضنته الدورة الاستثنائية لمجلس جماعة الداخلة، المنعقدة امس الخميس، مجرد محطة ادارية عادية ضمن مسطرة اعداد وثائق التعمير، بل شكل لحظة سياسية وقانونية كشفت حجم الاهتمام الذي اصبح يحظى به التخطيط العمراني داخل مدينة تتغير ملامحها بوتيرة غير مسبوقة. فمنذ انطلاق اشغال الدورة، خرج النقاش من حدود قاعة المجلس الى الفضاء العام، واصبح المواطن يتابع تفاصيله باهتمام، لما يحمله من ارتباط مباشر بحقوق الملكية، ومستقبل الاستثمار، وشكل المدينة خلال العقود المقبلة.

ولم يكن هذا الاهتمام وليد الصدفة، فالداخلة لم تعد مدينة تعيش على ايقاع نمو عمراني عادي، بل تحولت الى ورش استراتيجي مفتوح بفضل المشاريع الكبرى التي اطلقتها الدولة، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الاطلسي، والمشاريع اللوجستية، وتطوير البنيات التحتية، وما قد يفرضه مستقبلا توسع النقل الجوي واعادة تنظيم المجال المحيط بالمطار، الى جانب مشاريع سياحية واقتصادية ستغير دون شك الخريطة العمرانية للمدينة.

وفي ظل هذه التحولات، يصبح التخطيط العمراني ضرورة وطنية قبل ان يكون مجرد وثيقة تقنية، لانه هو الذي يحدد كيف ستتوسع المدينة، واين ستقام الطرق، واين ستكون المدارس والمستشفيات والمناطق الخضراء، وكيف سيتم التوفيق بين حقوق الافراد ومتطلبات التنمية.
غير ان اول ما كشف عنه النقاش الذي دار داخل المجلس، وامتد الى الرأي العام، هو حجم الالتباس الذي يحيط بمراحل اعداد وثائق التعمير. فقد جرى التعامل مع التصور العام للتهيئة باعتباره وثيقة نهائية، بينما هو في حقيقته ليس سوى بداية لمسار قانوني وتقني طويل، لا يكتسب اثره الالزامي الا بعد استكمال المراحل التي رسمها القانون، من الدراسات التقنية والتشاور بين مختلف المتدخلين، مرورا بالبحث العلني، وانتهاء باعداد تصميم التهيئة والمصادقة عليه وفق المساطر القانونية.

وهذا التوضيح ليس مجرد تفصيل قانوني، بل هو مفتاح لفهم ما جرى داخل الدورة الاستثنائية. فالقانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير لم يجعل التخطيط العمراني قرارا يصدر داخل مجلس جماعي، وانما وضع له مسارا متكاملا يقوم على التدرج. فالمخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية يرسم الرؤية الاستراتيجية للمدينة لعقود مقبلة، ويحدد اتجاهات توسعها الكبرى، بينما يأتي تصميم التهيئة ليحول تلك الرؤية الى وثيقة تنظيمية ملزمة تحدد بدقة استعمالات الاراضي، وشبكة الطرق، والتجهيزات العمومية، والارتفاقات، والمناطق الخضراء، وقواعد البناء.

وبين هاتين الوثيقتين، تمر المدينة بسلسلة من الدراسات والتشاورات والابحاث العلنية، حتى لا تتحول وثائق التعمير الى قرارات فوقية، بل تصبح ثمرة مساهمة مختلف المؤسسات والفاعلين والمواطنين.

ولذلك، فان ما عرض اليوم امام المجلس لا ينبغي ان يقرأ باعتباره النهاية، بل باعتباره بداية مرحلة قانونية ما تزال مفتوحة امام النقاش والتعديل وابداء الملاحظات، وهو ما يجعل من الضروري ان يواكب المواطن هذه المراحل بالمعرفة القانونية، لا بالخوف او الاشاعة.
غير ان القراءة القانونية وحدها لا تكفي لفهم ما يجري اليوم في الداخلة، لان النقاش الحالي لا تحركه نصوص القانون وحدها، بل تحركه ايضا ذاكرة المدينة.

ولا يمكن قراءة النقاش الذي تشهده الداخلة اليوم بمعزل عن الذاكرة العمرانية للمدينة. فوثائق التعمير التي تعاقبت خلال العقود الماضية رسمت تصورات متعددة للمجال الحضري، تضمنت فضاءات خضراء، وساحات عمومية، وتجهيزات جماعية، وشبكة من المرافق التي كان يفترض ان تواكب التوسع العمراني. غير ان جزءا من الرأي العام ظل يتابع، على امتداد سنوات، تغير استعمال بعض العقارات التي كانت مخصصة، بحسب وثائق تعمير سابقة، لمرافق او فضاءات عمومية، قبل ان تظهر بها استعمالات اخرى.

وسواء كانت تلك التغييرات قد تمت في اطار مراجعات قانونية لوثائق التعمير، او وفق مساطر يجيزها القانون، فانها افرزت اثرا مباشرا يتمثل في تراجع ثقة المواطن في استقرار وثائق التعمير. ولم يعد المواطن ينظر الى الوثيقة الجديدة باعتبارها مجرد مشروع للمستقبل، بل يقارنها بما عاشه من تحولات عرفتها المدينة خلال السنوات الماضية، وهو ما يفسر جانبا مهما من الحساسية التي رافقت النقاش الحالي.
ولا يتعلق الامر هنا بمحاكمة قرارات الماضي او توزيع المسؤوليات خارج اطار القانون، وانما بالتأكيد على ان التخطيط العمراني لا يقاس فقط بجودة الوثائق التي تعد، وانما ايضا بمدى احترامها بعد المصادقة عليها. فالمجالس المنتخبة التي تعاقبت على تدبير الشأن المحلي، الى جانب مختلف المؤسسات المتدخلة، تتحمل مسؤولية مؤسساتية في تتبع تنفيذ وثائق التعمير، وفي تنوير الرأي العام كلما طرأت تعديلات على استعمالات الاراضي او التجهيزات العمومية وفق المساطر القانونية. فصمت المؤسسات عن تفسير هذه التحولات، ان وجدت، يفتح المجال امام التأويل، ويضعف الثقة في كل وثيقة جديدة مهما بلغت جودتها التقنية.

ولعل هذا ما يفسر تركيز جانب من النقاش خلال الدورة الاستثنائية على تجزئات الهناء 1 والهناء 2، وبقع حرمة الله، وسلامة، والكارونت، رغم ان الوثيقة المعروضة لا تزال في مرحلة التصور العام. فالمواطن لا يناقش هذه المرحلة بمعزل عن التجارب السابقة، وانما ينظر اليها من خلال ذاكرة عمرانية تشكلت عبر سنوات، وهو ما يجعل استعادة الثقة اليوم رهينة بقدر اكبر من الشفافية، ونشر الوثائق، وشرح المساطر القانونية، واشراك المواطنين في جميع مراحل اعداد وثائق التعمير.

وفي خضم هذا النقاش، برز مفهوم المنفعة العامة باعتباره من اكثر المفاهيم تداولا، رغم انه من اكثرها تعرضا لسوء الفهم. فالمنفعة العامة ليست وسيلة للمساس بالملكية الخاصة، كما انها لا تعني ان مجرد ادراج طريق او مرفق داخل وثيقة تعمير يؤدي تلقائيا الى نزع ملكية العقار. فالقانون المغربي افرد مسطرة مستقلة لاعلان المنفعة العامة ونزع الملكية، وربطها بضمانات قانونية وقضائية وتعويض عادل، بما يحقق التوازن بين حق الملكية ومتطلبات التنمية.

واذا كانت الداخلة مقبلة على توسع مطارها، وعلى استكمال ميناء الداخلة الاطلسي وما سيرافقه من مناطق لوجستية وتجهيزات اقتصادية، فمن الطبيعي ان تطرح مستقبلا اشكالات مرتبطة بالعقارات المجاورة لهذه المشاريع. غير ان معالجة هذه الحالات لا تتم من خلال وثائق التعمير وحدها، بل عبر المساطر القانونية التي ينص عليها القانون، والتي تجعل المنفعة العامة خاضعة لضوابط دقيقة، وليست سلطة مطلقة.

كما ان الحديث عن التصاميم القطاعية لا ينبغي ان يختلط بوثائق التعمير. فهذه التصاميم تعد لخدمة قطاعات محددة كالنقل، والتجهيزات، وشبكات الماء والكهرباء، والمناطق الصناعية او السياحية، لكنها تبقى مرتبطة بالتوجهات العامة التي تحددها وثائق التعمير، ولا يمكنها ان تعوضها او تخرج عنها.

لقد اثبتت التجارب، داخل المغرب وخارجه، ان المدن لا تدخل ازماتها العمرانية بسبب نقص القوانين، وانما بسبب ضعف الالتزام بتطبيقها. ولذلك، فان نجاح اي وثيقة جديدة لن يقاس بجودة الدراسات او الخرائط، بل بقدرة المؤسسات على احترامها بعد المصادقة عليها، وبقدرتها على اقناع المواطن بان ما يرسم اليوم سيبقى محترما بعد عشر سنوات او عشرين سنة.

فالمدينة لا تحتاج فقط الى مخططات جديدة، بل تحتاج الى استعادة الثقة بين القانون والمجتمع، وبين المؤسسات والمواطن. وعندما تصبح وثائق التعمير مرجعا ثابتا لا يتغير الا وفق القانون، وعندما يشعر المواطن بان حقوقه مصونة، وان المصلحة العامة تطبق وفق قواعد واضحة وشفافة، عندها فقط يصبح التخطيط العمراني اداة لبناء المستقبل، لا سببا لتجدد الجدل مع كل وثيقة جديدة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة