الساحل بريس / الصغير محمد
لم يكن اختيار ممدو الشين وكيلا للائحة التجمع الوطني للاحرار بدائرة وادي الذهب، وعمر الشرقاوي وصيفا له، مجرد ترتيب انتخابي عابر، بل يعكس رهانا واضحا للحزب على وجوه محلية جديدة لخوض معركة انتخابية مفتوحة على اكثر من احتمال، خصوصا بعد مغادرة امبارك حمية صفوف الاحرار والتحاقه بحزب الاستقلال.
الثنائي الجديد يجد نفسه امام اختبار سياسي حقيقي: هل يستطيع ممدو الشين، بما راكمه من حضور داخل غرفة الصناعة التقليدية وفي قطاع الصيد البحري، وعمر الشرقاوي، بما عرف عنه من مرافعات داخل مجلس جهة الداخلة وادي الذهب وحضور على وسائل التواصل الاجتماعي، تحويل هذا الرصيد الى قوة انتخابية قادرة على ارباك الحسابات التقليدية وقلب الطاولة على منافسين يملكون بدورهم حضورا وشبكات انتخابية وازنة؟
المعركة، بهذا المعنى، لا تبدو سهلة. فالداخلة تدخل الاستحقاق المقبل في سياق سياسي مختلف، بعد سلسلة من التحولات الحزبية التي اعادت توزيع المواقع والادوار، وجعلت اسماء وازنة تتنافس تحت الوان حزبية جديدة.
ممدو الشين.. من منافسة الاستقلال الى قيادة لائحة الاحرار
يحمل مسار ممدو الشين داخل غرفة الصناعة التقليدية احدى اكثر مفارقات هذه المعركة اثارة للاهتمام.
فالشين سبق ان انتخب عضوا بالغرفة باسم حزب الاستقلال، في وقت كان فيه سيداتي شكاف يقود الغرفة باسم حزب التجمع الوطني للاحرار. وقد تصدر الاستقلال نتائج انتخابات غرفة الصناعة التقليدية بجهة الداخلة وادي الذهب سنة 2021 بخمسة مقاعد من اصل 11، مقابل مقعد واحد للاحرار، قبل ان يعاد انتخاب شكاف رئيسا للغرفة.
وخلال تلك المرحلة، كان الشين حاضرا في ملفات الصناع التقليديين، ومدافعا عن عدد من المطالب المرتبطة بالقطاع، فيما عرف المشهد داخل الغرفة تباينات ومواقف متباينة بين عدد من الفاعلين.
لكن المفارقة اليوم ان ممدو الشين وسيداتي شكاف اصبحا داخل البيت السياسي نفسه، اي حزب التجمع الوطني للاحرار.
وهذه ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل عنصر يستحق التوقف عنده في قراءة المشهد. فالشين الذي كان يتحرك سابقا من موقع الاستقلال داخل غرفة ترأسها شكاف باسم الاحرار، اصبح اليوم مرشحا رئيسيا للاحرار وكيلا للائحة الحزب بدائرة وادي الذهب.
والسؤال هنا ليس عن الماضي بقدر ما هو عن قدرة هذه التجربة على انتاج رصيد انتخابي جديد: هل يستطيع الشين ان يحول حضوره السابق داخل الغرفة، وعلاقاته بالمهنيين، وتجربته في المرافعة عن قطاع الصناعة التقليدية، الى قاعدة انتخابية تتجاوز الاطار المهني الضيق؟
عمر الشرقاوي.. حين تصبح المرافعة اختبارا انتخابيا
في المقابل، يدخل عمر الشرقاوي المعركة من زاوية مختلفة.
فالشرقاوي عضو بمجلس جهة الداخلة وادي الذهب، وكان قد انتخب سابقا باسم حزب المجتمع الديمقراطي، قبل التحاقه بالتجمع الوطني للاحرار. واليوم اختاره الحزب وصيفا لممدو الشين في لائحته التشريعية بدائرة وادي الذهب.
ويتميز الشرقاوي بحضور لافت خلال دورات المجلس الجهوي، حيث جعل من المرافعة حول عدد من القضايا المحلية احدى ادوات حضوره السياسي، بالتوازي مع نشاطه على منصات التواصل الاجتماعي.
لكن السياسة الانتخابية تطرح سؤالا اكثر صعوبة: هل تتحول المرافعة الى اصوات؟
فالحضور داخل المؤسسات المنتخبة يمنح السياسي رصيدا معنويا واعلاميا، لكنه لا يضمن بالضرورة قاعدة انتخابية صلبة. ووسائل التواصل الاجتماعي تستطيع ان تجعل المرشح حاضرا في النقاش العام، لكنها لا تستطيع وحدها قياس حجم ذلك الحضور داخل صناديق الاقتراع.
وهنا سيكون الشرقاوي امام امتحان مختلف: اثبات ان حضوره داخل المجلس الجهوي لم يكن مجرد حضور مؤسساتي، بل راكم ايضا شبكة من العلاقات والثقة يمكن ترجمتها انتخابيا.
في مواجهة اسماء ثقيلة
ولعل ما يجعل مهمة الشين والشرقاوي اكثر تعقيدا هو طبيعة المنافسين.
فالمشهد يضم اسماء ذات تجربة وحضور، في مقدمتها الخطاط ينجا عن حزب الاصالة والمعاصرة، وامبارك حمية عن حزب الاستقلال، وصلوح الجماني عن حزب الحركة الشعبية.
كما ان انتقالات سياسية بارزة اعادت ترتيب الخريطة المحلية؛ فالخطاط ينجا انتقل من حزب الاستقلال الى الاصالة والمعاصرة، بينما غادر امبارك حمية التجمع الوطني للاحرار والتحق بالاستقلال.
وبالتالي، فان الشين والشرقاوي لا يخوضان معركة في مشهد ثابت، وانما امام خريطة انتخابية اعيد رسم جزء منها قبل اسابيع فقط من موعد الاقتراع.
هل يمكن فعلا قلب الطاولة؟
الجواب لا يمكن ان يكون نعم او لا بشكل مسبق.
فاذا كان المنافسون يمتلكون رصيدا انتخابيا وشعبية وتجربة سياسية، فان ثنائي الاحرار يملك بدوره عناصر قد تمنحه فرصة للمنافسة بقوة.
ممدو الشين يمكن ان يستثمر حضوره داخل قطاع الصيد البحري وغرفة الصناعة التقليدية، وهي دوائر مهنية واجتماعية يمكن ان تشكل احدى ركائز حملته. اما عمر الشرقاوي، فيملك تجربة داخل مجلس الجهة، وحضورا في النقاش السياسي المحلي، اضافة الى نشاط رقمي يمنحه قدرة على الوصول الى جمهور اوسع.
لكن الرهان الحقيقي سيكون في التنظيم.
فالانتخابات لا تحسم فقط بقوة المرشح، وانما بقوة الفريق الذي يقف خلفه، وقدرته على الوصول الى الناخبين، وتعبئة القواعد، وتحويل التعاطف الى مشاركة فعلية يوم الاقتراع.
ولهذا فان السؤال الاهم ليس: من الاكثر شهرة؟
بل: من يستطيع ان يحشد اصواته في اليوم الانتخابي؟
الاحرار يراهنون على معادلة جديدة
اختيار الشين والشرقاوي يعكس، في حد ذاته، محاولة من التجمع الوطني للاحرار لاعادة بناء معادلته الانتخابية في وادي الذهب بعد خروج امبارك حمية.
والحزب نفسه قدم الرجلين باعتبارهما ركيزتين اساسيتين في قيادة لائحته، مع التعويل عليهما في التعبئة الميدانية والتواصل مع الساكنة.
لكن بين الرهان الحزبي والنتيجة الانتخابية مسافة كبيرة.
فالثنائي مطالب ليس فقط بالحفاظ على حضور الاحرار، وانما باقناع الناخب بان الانتقال من حمية الى الشين والشرقاوي لا يعني مجرد تغيير اسماء، بل يمثل عرضا سياسيا جديدا قادرا على منافسة الاسماء الكبيرة.
معركة قد تحمل مفاجاة
في النهاية، تبدو معركة وادي الذهب مفتوحة على اكثر من سيناريو.
قد تنتصر قوة التجربة والشعبية والتنظيم لدى الاسماء التقليدية، وقد يتمكن الثنائي الجديد للاحرار من استثمار التحولات السياسية الاخيرة وصناعة مفاجاة لم تكن في حسابات الكثيرين.
ممدو الشين يمتلك قصة سياسية تستحق المتابعة: من مرشح باسم الاستقلال وعضو في غرفة الصناعة التقليدية الى وكيل لائحة الاحرار، في حزب يوجد فيه اليوم ايضا سيداتي شكاف الذي كان في الضفة السياسية المقابلة داخل الغرفة.
وعمر الشرقاوي يدخل المعركة من بوابة المرافعة والحضور المؤسساتي والرقمي، محاولا تحويل سنوات من النقاش داخل مجلس الجهة الى رصيد انتخابي ملموس.
لكن في النهاية، ستبقى هناك قاعدة انتخابية لا يمكن تجاوزها: المرافعة تصنع صورة، والحضور يصنع اسما، والشعبية تصنع زخما، لكن التنظيم والاصوات هما من يصنعان النتيجة.
ومن هنا قد تكون معركة الشين والشرقاوي واحدة من اكثر المعارك اثارة في دائرة وادي الذهب: فاما ان تؤكد صناديق الاقتراع ان الرهان على الوجوه الجديدة كان في محله، واما ان تثبت مرة اخرى ان الاسماء ذات الرصيد الانتخابي الطويل تظل عصية على الاختراق.
وبين هذين الاحتمالين، تبقى مفاجاة الداخلة ممكنة.. لكن غير محسومة.













