لم تكن العبارة التي اختارها الخطاط ينجا خلال لقاء التهاني الذي أقامه عبد الفتاح أهل المكي، احتفالا بفوزه بمقعد برلماني، مجرد استعارة عابرة قيلت في لحظة احتفالية. ففي السياسة، كثيرا ما تكون الجملة القصيرة أكثر حمولة من خطاب طويل، خصوصا عندما تأتي في لحظة تتغير فيها الاصطفافات وتُعاد فيها قراءة ما جرى.
قال ينجا، بمعنى واضح، إن «الحيوانات وحدها تجتر ما أكلته»، قبل أن يضيف أن الخطاط ومجموعته ينظرون إلى الأمام. وهنا تبدأ دلالة العبارة: فـ«الاجترار» ليس مجرد عودة إلى الماضي، بل هو إعادة إنتاج له، وكأن الخلافات التي انتهت انتخابيا ينبغي أن تظل حاضرة سياسيا.
وإذا وضعت العبارة في سياقها، فإنها تبدو أقرب إلى إعلان عن طريقة في التفكير السياسي: الانتخابات انتهت، والنتائج أصبحت واقعا، وبالتالي فإن الاستمرار في استحضار الخصومات والمواقف التي صنعتها الحملة قد لا يكون سوى محاولة لإبقاء معركة انتهت داخل مرحلة جديدة.
لكن اللافت أن ينجا لم يقل إن الماضي لم يقع، وإنما قال إن مجموعته تنظر إلى الأمام. والفرق بين العبارتين مهم سياسيا؛ فتجاوز الماضي لا يعني نسيانه، كما أن المصالحة مع المستقبل لا تعني تبرئة الماضي. إنها ببساطة محاولة للفصل بين زمنين: زمن التنافس الانتخابي، وزمن ما بعد الانتخابات.
ومن هنا تصبح خيمة أهل المكي ذات دلالة رمزية. فالرجل الذي كان بالأمس جزءا من مشهد انتخابي تنافسي، أصبح اليوم منتخبا يحتفى بفوزه، ويجلس إلى جانب فاعلين سياسيين آخرين. وكأن المكان نفسه يقول إن السياسة لا تتوقف عند لحظة إعلان النتائج، وأن الخصوم الانتخابيين قد يجدون أنفسهم، في اليوم التالي، أمام مصالح وأسئلة مشتركة.
لكن العبارة تحمل أيضا سؤالا لا يقل أهمية: من يملك حق تحديد ما ينبغي أن يبقى في الماضي وما ينبغي أن ينتقل إلى المستقبل؟
هنا تكمن السياسة الحقيقية. فالنظر إلى الأمام ليس دائما مجرد فضيلة، فقد يكون أيضا إعادة ترتيب للأوراق وفق موازين القوة الجديدة. والانتقال من الخصومة إلى التفاهم لا يحدث لأن الذاكرة اختفت، وإنما لأن الحسابات تغيرت، ولأن المستقبل أصبح أكثر أهمية من استمرار المعركة القديمة.
لذلك، قد لا يكون المقصود من كلام ينجا شخصا بعينه، بقدر ما هو تعبير عن موقف من عقلية سياسية ترى أن كل خلاف انتخابي يجب أن يتحول إلى خصومة دائمة. رسالته، في قراءتها الأوسع، تبدو أقرب إلى القول إن الانتخابات محطة وليست نهاية الطريق، وإن من يريد أن يشتغل للمرحلة المقبلة لا يستطيع أن يحمل معه كل تفاصيل المعركة السابقة.
وبين «الاجترار» و«النظر إلى الأمام» توجد منطقة رمادية هي التي تتحرك فيها السياسة عادة: لا أحد ينسى تماما، ولا أحد يستطيع أن يعيش إلى الأبد داخل ذاكرة الخلاف.
لهذا ربما كانت عبارة ينجا لافتة لأنها لم تقدم جوابا نهائيا، بل تركت سؤالا مفتوحا أمام المتلقي: هل نحن أمام مجرد دعوة لتجاوز خلافات الانتخابات، أم أمام إشارة إلى إعادة ترتيب العلاقات السياسية في مرحلة ما بعد الانتخابات؟
وحده المستقبل سيجيب.
أما الرسالة التي بدت واضحة من خيمة أهل المكي، فهي أن الخطاط ينجا اختار أن يتحدث بلغة المستقبل، وأن يقول إن ما يهمه، سياسيا، ليس ما أُكل بالأمس، بل ما يمكن أن يُطبخ للغد.













