الداخلة… حين ينام الإنسان في العراء ويصحو السؤال الكبير: أين المجتمع المدني؟

هيئة التحريرمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
الداخلة… حين ينام الإنسان في العراء ويصحو السؤال الكبير: أين المجتمع المدني؟

في مدينةٍ تُقدَّم كواجهةٍ للتنمية والاستثمار، تنبض بالحركة وتُراهن على المستقبل، ثمة مشهد آخر يتسلل بهدوء إلى الهامش: أجسادٌ تفترش الأرصفة، وأخرى تتخذ من بنايات متوقفة مأوى مؤقتًا، ووجوهٌ أنهكها الانتظار بلا أفق. في الداخلة، لا يتعلق الأمر بحالات معزولة، بل بظاهرة تتشكل ملامحها يومًا بعد يوم، تجمع بين مغاربة وأفارقة من دول جنوب الصحراء، وتطرح أسئلة ثقيلة عن المعنى الحقيقي للتضامن.

الصور تتكرر في أكثر من نقطة: قرب محطات، في أطراف أحياء، أو داخل فضاءات مهجورة. أغطية بالية، صمت طويل، ونظرات تختزل حكايات متشابكة من الفقر والهجرة والانكسار. بعض هؤلاء لفظتهم ظروف اجتماعية قاسية، وآخرون تقطعت بهم سبل العبور، فوجدوا أنفسهم عالقين بين حدود مغلقة وواقع لا يرحم. النتيجة واحدة: الشارع يتحول إلى إقامة مفتوحة، بلا حماية ولا أمان.

ورغم أن الظاهرة ليست وليدة اللحظة، إلا أن تمددها يضع علامات استفهام حول طبيعة التدخلات القائمة. أين هو المجتمع المدني من كل هذا؟ أين الجمعيات التي تشتغل على الورق في مجال الهشاشة؟ هل تحولت المبادرات إلى مجرد مواسم عابرة تُلتقط فيها الصور وتُوزع فيها مساعدات محدودة، أم أن حجم الأزمة أكبر من قدرة الفاعلين على المواجهة؟

ما يظهر على الأرض يوحي بأن المقاربة الحالية لا تلامس جوهر المشكلة. فالتشرد ليس نقصًا في الأغطية أو الوجبات فقط، بل هو نتيجة مسارات معقدة تتطلب تدخلًا متكاملًا: إيواء لائق، مواكبة نفسية، إدماج اقتصادي، وتنسيق حقيقي بين مختلف المتدخلين. دون ذلك، تبقى الحلول مؤقتة، تُخفف من قسوة اللحظة لكنها لا تُنهيها.
الأخطر أن هذا المشهد بدأ يفقد عنصر الصدمة. التكرار يولد الاعتياد، والاعتياد يُفرغ المأساة من وقعها. حين يصبح إنسان نائم في الشارع جزءًا من المشهد اليومي، فإن السؤال لم يعد فقط عن من سقط، بل عن من توقف عن الإحساس بسقوطه.

في الداخلة، حيث تُكتب قصص النجاح في جانب، تُكتب في الجانب الآخر قصص صامتة لا تجد من يرويها. وبين هذا وذاك، يبقى الميزان مختلًا، ويظل الشارع شاهدًا على فجوةٍ تتسع بصمت… فهل يكفي أن نمرّ بجانب هؤلاء كل يوم، أم أن الوقت حان لنسأل بجدية: من المسؤول عن أن يبقى الإنسان خارج كل الحسابات؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة