لم يعد الحديث عن وفرة الثروة السمكية في المغرب كما كان في السابق، بل بدأ يتخذ منحى مقلقًا تعكسه مؤشرات رقمية صادمة، تُظهر أن هذا القطاع الحيوي يواجه ضغوطًا غير مسبوقة تهدد توازنه واستدامته. فبعد سنوات من تصنيف المملكة ضمن كبار منتجي الأسماك عالميًا، تلوح في الأفق ملامح أزمة حقيقية قد تعيد رسم مستقبل الصيد البحري.
في هذا السياق، تتزايد المخاوف من الاستنزاف المتواصل للمخزون البحري، بفعل الاستغلال المكثف وتنامي نشاط أساطيل الصيد، إلى جانب اختلالات في تدبير الموارد. وقد كشفت معطيات رسمية حديثة عن حجم التراجع الذي يضرب القطاع، واضعةً إياه أمام تحديات مصيرية تتطلب تدخلاً عاجلاً.
فوفقًا لأحدث تقرير صادر عن المكتب الوطني للصيد، بلغت القيمة الإجمالية لمنتجات الصيد الساحلي والتقليدي المسوقة إلى غاية متم مارس 2026 ما يفوق 3,11 مليار درهم، مسجلة انخفاضًا بنسبة 3% مقارنة مع نفس الفترة من السنة الماضية. غير أن التراجع الأبرز سُجل على مستوى الكميات، التي انهارت بنسبة 34% لتستقر عند 89.895 طنًا فقط، في مؤشر واضح على تراجع وفرة الموارد البحرية.
وتكشف التفاصيل عن صورة أكثر تعقيدًا، حيث تراجعت كميات الأسماك السطحية بنسبة 49%، والأسماك البيضاء بـ30%، فيما سجلت الصدفيات انخفاضًا حادًا بلغ 56%. وهي أرقام تعكس ضغطًا كبيرًا على المخزون البحري، في وقت لم تنجح فيه الزيادات المسجلة في الرخويات والقشريات والطحالب في تعويض هذا التراجع الحاد.
وعلى مستوى القيمة، بدورها لم تسلم من هذا التراجع، حيث انخفضت قيمة الأسماك السطحية بنسبة 43%، والصدفيات بـ56%، والأسماك البيضاء بـ15%، مقابل ارتفاع محدود في بعض المنتجات الأخرى، دون أن يكون لذلك أثر حقيقي في موازنة الخسائر.
أما على صعيد الموانئ، فقد شمل التراجع مختلف الواجهات البحرية، إذ سجلت موانئ البحر الأبيض المتوسط انخفاضًا في الكميات بنسبة 4% وتراجعًا أكبر في القيمة بلغ 15%. في المقابل، تكبدت الموانئ الأطلسية، التي تمثل العمود الفقري للإنتاج الوطني، خسارة حادة بانخفاض الكميات بنسبة 35%، رغم تسجيل تراجع طفيف في القيمة لم يتجاوز 2%.
أمام هذه المؤشرات، يبدو أن قطاع الصيد البحري في المغرب يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، بين استمرار منطق الاستغلال المكثف، أو تبني سياسات أكثر توازنًا تضمن حماية الثروة البحرية واستدامتها. فالأرقام الحالية لا تعكس مجرد تراجع ظرفي، بل قد تكون بداية أزمة أعمق، ما لم تُتخذ إجراءات حازمة تعيد التوازن بين الإنتاج والحفاظ على الموارد.













