بين بوانو والطالبي العلمي… صدام السياسة أم صراع التصورات؟

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
بين بوانو والطالبي العلمي… صدام السياسة أم صراع التصورات؟

في لحظة تبدو عادية داخل الجلسة العمومية لمجلس النواب، برز إلى السطح توترٌ سياسي يتجاوز حدود الواقعة الظرفية ليعكس عمقاً بنيوياً في طبيعة الاشتغال البرلماني، وذلك على بُعد أشهر قليلة من الاستحقاقات النيابية المقبلة.

ما جرى بين رئيس مجلس النواب راشيد الطالبي العلمي والنائب عبد الله بوانو لا يمكن اختزاله في خلاف حول عرض كتاب أو ملاحظة إجرائية داخل الجلسة، بل هو في جوهره تجلٍّ لصراع أعمق حول وظيفة البرلمان ذاته: هل هو مؤسسة تقنية لضبط التشريع وتدبير الجلسات، أم فضاء لإنتاج المعنى السياسي والفكري ومساءلة السلطة؟

إن الاعتراض على تقديم عمل فكري داخل المؤسسة التشريعية يطرح سؤالاً حول حدود الاعتراف بالإنتاج البرلماني خارج القوالب الإدارية التقليدية. فحين يُنظر إلى المبادرة الفكرية باعتبارها خروجاً عن “النص المؤسسي”، فإن ذلك يكشف تصوراً إدارياً للعمل السياسي، يقوم على تقييد الفعل البرلماني داخل ما هو مُصادق عليه مسبقاً، لا باعتباره فضاءً مفتوحاً للنقاش والإبداع.

في المقابل، يمثل تقديم كتاب يوثق التجربة التشريعية والحكومية شكلاً من أشكال الممارسة السياسية الممتدة خارج لحظة التصويت، أي محاولة لتأريخ الفعل العمومي وتحويله إلى مادة للنقاش العام. وهنا يتقاطع الفعل الفكري مع الرقابة السياسية، في منطقة رمادية لا تحسمها القواعد الشكلية وحدها.

لكن الأهم في هذه الواقعة هو توقيتها. فاقتراب الانتخابات يعيد تشكيل توازنات الخطاب داخل المؤسسة التشريعية، ويزيد من حدة التوتر بين مكونات الأغلبية والمعارضة. في هذه المرحلة تحديداً، تتحول الرموز الصغيرة إلى مؤشرات كبرى، وتصبح الإيماءات داخل الجلسات جزءاً من معركة الصورة أمام الناخب.

إن ما يبدو صداماً شخصياً أو إجراءً بروتوكولياً، يعكس في العمق اختلافاً في تصور السياسة: تصور يرى البرلمان امتداداً للإدارة بمنطق الضبط والانضباط، وتصور آخر يعتبره ساحة لإنتاج الأفكار وتوسيع دائرة النقاش العمومي. وبين هذين المنظورين تتشكل هوية المؤسسة نفسها.

المفارقة أن هذا التوتر لا يتعلق فقط بالفاعلين المباشرين، بل يعكس أزمة أوسع في الحقل السياسي، حيث تتراجع الوظيفة الفكرية للبرلمان لصالح منطق التدبير والتوازنات. ومع ذلك، فإن مثل هذه اللحظات تكشف أن الصراع الحقيقي داخل المؤسسات ليس دائماً حول القوانين، بل حول من يملك حق تعريف السياسة ذاتها.

وهكذا، يصبح السؤال الذي تطرحه الواقعة أوسع من حدودها: هل نحن أمام صدام عابر داخل جلسة تشريعية، أم أمام تعبير مكثف عن صراع تصورات يتعمق كلما اقتربت السياسة من لحظة الحسم الانتخابي؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة