حين تثير الأسئلة أكثر من الأجوبة.. قراءة في الجدل الذي رافق مداخلة خلال لقاء سياسي بالداخلة

هيئة التحريرمنذ 50 دقيقةآخر تحديث :
حين تثير الأسئلة أكثر من الأجوبة.. قراءة في الجدل الذي رافق مداخلة خلال لقاء سياسي بالداخلة

الساحل بريس/ الصغير محمد

في الممارسة السياسية، لا يقتصر أثر الخطاب على ما يقال، بل يمتد إلى الكيفية التي يُستقبل بها. فهناك مداخلات تنتهي بانتهاء المناسبة، وأخرى تواصل حضورها في النقاش العام لأنها تلامس أسئلة تتجاوز الحدث نفسه. وهذا ما ينطبق، إلى حد بعيد، على المداخلة التي شهدها اللقاء التواصلي الذي نظمه حزب العدالة والتنمية مؤخرا بمدينة الداخلة، بحضور عبد الله بوانو.

فقد اختار أحد المتدخلين أن يوجه حديثه نحو قضايا اعتبرها أكثر إلحاحاً بالنسبة للمجتمع المحلي، متوقفاً عند انتشار المخدرات وما تخلفه، بحسب تقديره، من آثار اجتماعية تمس العديد من الأسر، قبل أن ينتقد ما وصفه باستمرار مظاهر الفساد داخل النخب المحلية، لينتهي بطرح سؤال يتعلق بالجهة التي تحدد الاستراتيجية العامة للدولة.

غير أن ما منح هذه المداخلة بعدها السياسي لم يكن مضمونها وحده، وإنما ردود الفعل التي أعقبتها. فبينما رأى فيها البعض تعبيراً عن حق المواطن في مساءلة السياسات العمومية وترتيب أولوياتها، اعتبرها آخرون قد تجاوزت، في بعض مضامينها، الإطار الذي ينبغي أن يتحرك داخله النقاش السياسي، وهو ما جعلها محلاً لتأويلات متباينة.

ومن الناحية التحليلية، فإن الجدل هنا لا يعكس مجرد اختلاف في المواقف، بقدر ما يكشف اختلافاً في تصور وظيفة الخطاب السياسي ذاته. فهل المطلوب من الفضاءات الحزبية أن تكون مجالاً لعرض البرامج وتبادل الآراء فقط، أم أنها فضاء يسمح أيضاً بطرح الأسئلة الكبرى التي تشغل الرأي العام، حتى وإن كانت مثار جدل؟

كما أن الواقعة تعكس تحوّلاً في طبيعة النقاش العمومي، حيث لم يعد المواطن يكتفي بمساءلة نتائج السياسات، بل أصبح أكثر ميلاً إلى مساءلة ترتيب الأولويات، والبحث عن تفسير للعلاقة بين القرار العمومي والواقع الاجتماعي. وهذا تطور يعكس اتساع دائرة الاهتمام بالشأن العام، لكنه يفرض، في المقابل، مسؤولية أكبر في اختيار المفردات، ودقة في توصيف الوقائع، حتى لا تتحول الأسئلة إلى مادة لتأويلات تتجاوز مقاصد أصحابها.

وفي جميع الأحوال، فإن النقاش الذي أعقب هذه المداخلة يؤكد أن حيوية المجال السياسي لا تُقاس فقط بحجم التوافق، وإنما أيضاً بقدرته على استيعاب الاختلاف وإدارته في إطار من المسؤولية والاحترام المتبادل. فالاختلاف في تقييم خطاب سياسي أمر طبيعي، لكن الأهم أن يظل النقاش موجهاً نحو الأفكار والقضايا، بعيداً عن الشخصنة أو الاصطفافات المسبقة.

وبهذا المعنى، قد لا تكون المداخلة هي الحدث الأبرز، بقدر ما يكمن الحدث في النقاش الذي ولدته، وفي الأسئلة التي أعادت طرحها حول أولويات السياسات العمومية، وحدود النقد السياسي، وطبيعة الحوار الذي تحتاجه القضايا المحلية والوطنية في آن واحد.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة