يعود إلى الواجهة، مع كل مقرر وزاري يتعلق باستئناف وتحديد الحصة الإجمالية لصيد الأخطبوط، الجدلُ المزمن داخل أوساط مهنيي الصيد البحري حول طبيعة العقوبات الإدارية المطبقة على مختلف أساطيل الصيد، وذلك على خلفية ما يعتبره المهنيون غيابًا لمبدأ تكافؤ الفرص والعدالة بين مكونات القطاع.
المقرر الأخير الخاص بالموسم الشتوي لصيد الأخطبوط لم يخرج عن السياق نفسه، إذ كرّس، كما في المواسم السابقة، تفاوتًا واضحًا في نظام العقوبات بين أسطول الصيد التقليدي من جهة، وأساطيل الصيد الساحلي وصيد أعالي البحار من جهة أخرى، ما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول فلسفة الزجر الإداري وحدود التناسب بين المخالفة والعقوبة.
فقد نصّت المادة السادسة والعشرون من هذا المقرر على سحب رخصة الصيد وحجز القارب في حق وحدات الصيد التقليدي عند تسجيل مخالفات، وهي عقوبات توصف بالقاسية نظرًا لكونها تمسّ مباشرة وسائل الإنتاج ومصدر العيش الوحيد للصياد التقليدي. في المقابل، تقتصر العقوبات المفروضة على أسطولي الصيد الساحلي وأعالي البحار على سحب حصة الأخطبوط فقط، دون المساس بالرخص أو السفن أو استمرارية النشاط البحري.
ويرى مهنيون أن هذا التمييز غير المبرر يطرح إشكالًا حقيقيًا على مستوى العدالة داخل القطاع، خاصة أن الصيد التقليدي يُعد الحلقة الأضعف اقتصاديًا واجتماعيًا، حيث يعتمد الصيادون فيه بشكل كلي على القارب والرخصة كمورد رزق وحيد، بينما تتوفر الأساطيل الأخرى على إمكانات مادية وتنظيمية أكبر، تسمح لها بامتصاص آثار سحب الحصة دون توقف تام عن النشاط أو تهديد مباشر للاستقرار الاجتماعي للعاملين بها.
وتشير قراءات مهنية للشأن البحري إلى أن الإبقاء على المنطق نفسه في صياغة القرارات المنظمة لمواسم صيد الأخطبوط يعكس غياب مراجعة شاملة لمقاربة العقوبات، رغم تغير السياقات الاقتصادية والاجتماعية، ورغم التحديات المتزايدة التي تواجه الصيد التقليدي، سواء على مستوى تكاليف الاستغلال أو تقلبات الموارد البحرية.
كما تؤكد هذه القراءات أن العدالة داخل القطاع لا تتحقق بتوحيد المخالفات فقط، بل بملاءمة العقوبات مع طبيعة كل أسطول، وحجم قدرته على التحمل، وتأثير القرار على الاستقرار المهني والاجتماعي، معتبرة أن مبدأ التناسب يظل حجر الزاوية لأي سياسة تنظيمية ناجعة ومستدامة.
وفي انتظار أي مراجعة لهذه التدابير، يظل الجدل قائمًا مع كل موسم جديد لصيد الأخطبوط، بين من يرى في هذه العقوبات أداة ضرورية لحماية الثروة البحرية، ومن يعتبرها تكريسًا لاختلال بنيوي يثقل كاهل الفئة الأضعف داخل القطاع، ويُعمّق الإحساس بعدم الإنصاف بدل تعزيز الالتزام والمسؤولية الجماعية.













