من مواجهة الانتخابات إلى طاولة واحدة.. ماذا يحدث في المشهد السياسي بالداخلة؟

هيئة التحريرمنذ 45 دقيقةآخر تحديث :
من مواجهة الانتخابات إلى طاولة واحدة.. ماذا يحدث في المشهد السياسي بالداخلة؟

لم يكن المشهد السياسي بالداخلة، عقب إعلان نتائج الانتخابات التشريعية، مجرد انتقال طبيعي من مرحلة الاقتراع إلى مرحلة ما بعد النتائج، بل بدأت تظهر أمام المتابعين إشارات تستحق التوقف عندها، خصوصا مع بروز تحولات في علاقات كانت تبدو، خلال الحملة الانتخابية، محكومة بمنطق المنافسة الحادة.

ففي الوقت الذي خرج فيه سيدي صلوح الجماني مشككا في النتائج التي حصل عليها حزبه، ومعلنا اللجوء إلى المسطرة القضائية، ظهر في الجهة الأخرى مشهد سياسي مختلف: محمد الأمين حرمة الله يحل ضيفا على خيمة الخطاط ينجا، التي خصصت لاستقبال المهنئين بمناسبة فوزه بمقعد برلماني.

المشهد قد يبدو في ظاهره عاديا، لكن السياسة لا تقرأ دائما من الصور وحدها، بل من السياق الذي تأتي فيه.

خلال الحملة الانتخابية، بدا التنافس بين ينجا وحرمة الله أكثر حدة، وكانت الرسائل المتبادلة تعكس وجود مسافة سياسية واضحة بين الطرفين. غير أن انتهاء الاقتراع أفرز واقعا جديدا: اتصال، استجابة، لقاء، ثم حضور مشترك في فضاء كان يمكن أن يبدو، قبل أيام قليلة فقط، بعيدا عن مثل هذا التقارب.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نحن أمام مجرد مصافحة سياسية بعد انتهاء المنافسة، أم أمام بداية إعادة ترتيب للعلاقات داخل المشهد المحلي؟

الفرضية الأولى تقول إن الأمر قد لا يتجاوز حدود طي صفحة الحملة الانتخابية وفتح قنوات التواصل بين فاعلين سياسيين ينتميان إلى حزبين مختلفين. وهو أمر طبيعي في السياسة، حيث تنتهي المنافسة الانتخابية في لحظة إعلان النتائج، وتبدأ بعدها حسابات جديدة مرتبطة بالتدبير المؤسساتي والاستحقاقات المقبلة.

لكن فرضية أخرى تظل مطروحة: أن يكون التقارب الحالي مؤشرا أوليا على إعادة تموقع سياسي استعدادا للانتخابات الجماعية والجهوية، حيث تختلف قواعد اللعبة عن الانتخابات التشريعية، ويصبح تشكيل المجالس ورئاستها وتوزيع المسؤوليات رهينا بتوازنات وتحالفات أكثر تعقيدا.

وهنا تحديدا تكتسب الخيمة دلالتها السياسية، ليس باعتبارها دليلا على تحالف، وإنما باعتبارها فضاء ظهر فيه تقارب بين طرفين خاضا قبل أيام منافسة انتخابية مباشرة.

فالسياسة المحلية لا تقوم دائما على ثنائية “صديق وخصم”، وإنما تتحرك وفق مصالح انتخابية ومؤسساتية قابلة لإعادة الترتيب. وقد يتحول المنافس الانتخابي إلى شريك في مرحلة، ثم يعود إلى موقع المنافس في مرحلة أخرى، بحسب طبيعة الاستحقاق وموازين القوى.

أما انتخابات الجماعات والجهة المقبلة، فقد تكون الاختبار الحقيقي لهذا التحول.

فإذا كان البرلمان قد حسم جزءا من موازين القوى، فإن المجالس الترابية ستفتح معركة مختلفة، عنوانها النفوذ المحلي، ورئاسة المجالس، وتشكيل المكاتب، وبناء التحالفات. وفي هذه المرحلة تحديدا ستتضح حقيقة التقارب: هل كان مجرد تواصل سياسي عابر، أم أنه يمثل نواة لتفاهم أوسع؟

وفي المقابل، فإن المسار الذي أعلن عنه الجماني عبر اللجوء إلى القضاء يفتح جبهة أخرى في مرحلة ما بعد الانتخابات، ويجعل المشهد السياسي بالداخلة أمام مسارين متوازيين: مسار قانوني يطعن في النتائج، ومسار سياسي بدأ يبحث عن توازنات المرحلة المقبلة.

وهنا قد يكون السؤال الأهم ليس: من انتصر في معركة 23 شتنبر؟

بل: من سيجلس إلى جانب من في معركة المجالس؟

فنتائج الانتخابات التشريعية حسمت مقاعد البرلمان، لكنها لم تحسم بالضرورة شكل الخريطة السياسية المحلية. وما يحدث اليوم قد يكون مجرد إعادة ترتيب للعلاقات، وقد يكون مقدمة لتحالفات جديدة، وقد لا يتجاوز حدود التواصل السياسي الطبيعي بعد انتهاء المنافسة.

الأكيد أن الداخلة دخلت مرحلة سياسية مختلفة؛ مرحلة لا تكفي فيها قراءة نتائج الصناديق وحدها لفهم ما يجري، بل يصبح ضروريا تتبع اللقاءات، والاتصالات، ومواقف الفاعلين، والتحالفات التي ستظهر عند أول اختبار مؤسساتي حقيقي.

ففي السياسة، قد ينتهي التنافس عند باب الصندوق، لكن حسابات النفوذ تبدأ أحيانا بعد إعلان النتائج.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة