الساحل بريس/ الصغير محمد
قراءة في دلالة مشاركة اتحاد تعاونيات “Sud de Sud” في منتدى Seafood 4 Africa …
ليس من السهل تفكيك حدثٍ يبدو في ظاهره “مشاركة” داخل منتدى اقتصادي، دون أن نلتقط ما يحمله في عمقه من تحوّلٍ اجتماعي وثقافي. فمشاركة اتحاد تعاونيات Sud de Sud—وهو إطار نسائي حديث التأسيس—في النسخة الثانية من منتدى Seafood 4 Africa بالداخلة، لا يمكن اختزالها في الحضور الرمزي أو في خانة “تشجيع المرأة”.
بل نحن أمام لحظة تستحق القراءة: لحظة تقتحم فيها النساء مجالاً ظل، تاريخيًا، محروسًا بثقافة ذكورية صلبة، وببنية إنتاجية كانت تُدار وفق تقسيم تقليدي للأدوار داخل المجتمع المحلي.
عادةً ما تُقدَّم المنتديات الاقتصادية بوصفها فضاءات للتبادل التجاري وعرض المنتجات وبناء العلاقات المهنية. لكن ما يميّز منتدى Seafood 4 Africa في سياق جهة الداخلة وادي الذهب، أنه لا يعكس فقط دينامية قطاع الصيد البحري، بل يكشف أيضًا عن تحولات المجتمع الذي يعيش على إيقاع هذا القطاع.
فحين تظهر فاعلية نسائية داخل هذا الفضاء، فإنها لا تُضيف “تنوعًا” شكليًا، بل تُعلن—بصمتٍ قوي—عن إعادة توزيع تدريجي للتمثيلية داخل الاقتصاد المحلي.
تأسيس التعاونية في أوساط سنة 2025 يبدو حدثًا قريبًا في الزمن، لكنه في الحقيقة يحمل دلالة أبعد من عمره التنظيمي. لأن تأسيس تعاونية نسائية في قطاع الصيد البحري ليس مجرد تأسيس إداري، بل هو اختراق لبنية اقتصادية وثقافية متجذّرة.
إنه انتقال من موقع “الاستثناء” إلى موقع “الاحتمال”، ومن فكرة “لا يمكن” إلى واقع “قد حدث”.
في المجتمعات الساحلية، لا يكون البحر مجرد مورد اقتصادي، بل يكون جزءًا من الهوية. ولهذا ظل قطاع الصيد البحري في كثير من المناطق محاطًا بما يشبه القداسة الاجتماعية الذكورية: الرجال في البحر، والنساء في الخلفية.
حين تقتحم النساء هذا المجال، فهن لا يغيّرن قواعد العمل فقط، بل يغيّرن تعريف المجتمع لنفسه. لأن دخول النساء إلى هذا القطاع هو دخول إلى “المكانة”، وإلى المجال العام، وإلى القدرة على إنتاج القيمة لا مجرد استهلاكها.
التمكين الاقتصادي غالبًا ما يُستخدم كمصطلح مُنمّق في التقارير الرسمية. لكن في حالة Sud de Sud، يصبح التمكين فعلًا ملموسًا: نساء ينشئن إطارًا إنتاجيًا، يشاركن به في منتدى دولي، ويتحدثن باسم الجهة، ويقدمن أنفسهن كفاعلات لا كملحقات.
وهنا تتغير المسألة:
لم يعد السؤال هو “هل يمكن للمرأة؟”
بل أصبح: “كيف سيتم توسيع هذه التجربة؟ وما الذي يمنع تكرارها؟”
ولا تقف قيمة المشاركة عند لحظة المنتدى، بل تمتد إلى ما يفتحه هذا الحضور من إمكانيات مستقبلية: المشاركة باسم جهة الداخلة في منتديات مماثلة داخل المغرب وخارجه.
وهنا يتجسد معنى مهم: أن المرأة لم تعد فقط جزءًا من سوق العمل، بل أصبحت جزءًا من “صورة الجهة” في الفضاءات الوطنية والدولية، وهو تحول سياسي-اجتماعي بقدر ما هو تحول اقتصادي.
إن التجارب التي تكسر احتكارًا تاريخيًا لا تكفيها لحظة النجاح الأولى. لأنها معرضة دائمًا للعودة إلى الوراء، إما عبر التهميش أو عبر تحويلها إلى ديكور.
ولذلك فإن الرهان الحقيقي ليس فقط في ظهور اتحاد Sud de Sud، بل في ضمان استمراره، وتوفير شروط نموه، وإدماجه في السياسات المحلية للقطاع، بوصفه تجربة قابلة للتحول إلى نموذج.
إن مشاركة اتحاد تعاونيات Sud de Sud في منتدى Seafood 4 Africa ليست خبرًا عابرًا، بل هي علامة على تحوّلٍ عميق: تحوّل في تمثيلية المرأة داخل الاقتصاد، وفي تصور المجتمع لأدواره، وفي إمكانية أن يصبح القطاع البحري فضاءً مشتركًا لا مجالًا مغلقًا.
هي لحظة تقول بوضوح:
أن النساء في الداخلة لا يطلبن “مكانًا” في القطاع…
بل يفتحْنَه بأيديهن.













