في تطور دبلوماسي يعيد ملف الصحراء المغربية إلى واجهة النقاش داخل مجلس الأمن الدولي، وزعت الولايات المتحدة الأمريكية نسخة منقحة من مشروع قرارها بشأن النزاع، متضمنة تعديلات تهم الإطار السياسي للمفاوضات، ومستقبل بعثة الأمم المتحدة، فضلا عن الأبعاد الإنسانية المرتبطة بأوضاع مخيمات تندوف، في خطوة تفتح الباب أمام نقاش جديد بشأن طبيعة المرحلة المقبلة من المسار الأممي.
وجاءت النسخة الجديدة عقب انتهاء المهلة التي منحتها واشنطن، بصفتها حاملة القلم في الملف، لأعضاء مجلس الأمن من أجل تقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم بشأن الصيغة الأولية، في سياق المشاورات الرامية إلى بلورة مشروع قرار قابل للتفاوض داخل المجلس.
وتحافظ المسودة المنقحة، وفق المعطيات المتداولة بشأنها، على موقع مبادرة الحكم الذاتي المغربية تحت السيادة المغربية ضمن الإطار المقترح للمفاوضات، مع الإبقاء على الإشارة إلى مبدأ تقرير المصير، بما يعكس استمرار النقاش حول المرجعيات السياسية المؤطرة للتسوية النهائية للنزاع.
وتكمن أهمية هذه الصياغة في أنها تضع مبادرة الحكم الذاتي في صلب المقاربة التفاوضية التي تدفع بها واشنطن، بدلا من تقديمها باعتبارها مجرد خيار ضمن مجموعة من المقترحات المتوازية. غير أن هذا التوجه لا يعني أن جميع الأطراف وافقت على تفاصيل المبادرة المغربية، كما لا يمثل حسمًا نهائيا للنزاع، ما دامت الوثيقة لا تزال في مرحلة التفاوض داخل مجلس الأمن.
ويأتي هذا التطور في سياق استحضار القرار الأممي رقم 2797 الصادر سنة 2025، باعتباره مرجعا ضمن المسار السياسي الذي يستهدف التوصل إلى حل للنزاع، وفق ما تضمنته المعطيات الواردة بشأن المشروع المنقح.
المينورسو.. مراجعة المهام والموارد دون حسم مستقبل البعثة
ومن أبرز التعديلات التي تستوقف المتابعين للشأن الدبلوماسي تلك المتعلقة بمستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، إذ تشير القراءة المتداولة للنسخة الجديدة إلى تراجع واشنطن عن تحديد موعد مسبق لإنهاء مكون حفظ السلام، مع الإبقاء على مقترح تمديد ولاية البعثة إلى غاية 31 أكتوبر 2027.
كما تتضمن المسودة مقترحا بتغيير اسم البعثة ابتداء من فاتح نونبر 2026، من خلال حذف الإشارة إلى تنظيم الاستفتاء من تسميتها، وهو تعديل يطرح تساؤلات بشأن طبيعة المهمة الأممية وأولوياتها خلال المرحلة المقبلة.
ومع ذلك، فإن تغيير التسمية لا يعني تلقائيا إنهاء المهام الحالية للبعثة أو تحويلها إلى مهمة سياسية خالصة، إذ يظل تحديد اختصاصاتها مرتبطا بما سيقرره مجلس الأمن في الصيغة النهائية للقرار.
وفي هذا الإطار، تتخلى النسخة المنقحة، بحسب المعطيات المنشورة بشأنها، عن الجدول الزمني الذي كان المشروع الأولي يقترحه لإنهاء مكون حفظ السلام في 30 أبريل 2027، تاركة المجال أمام المجلس لتقييم مستقبل البعثة بناء على مقترحات الأمين العام للأمم المتحدة والتقدم المحرز في العملية السياسية.
وتطلب المسودة من الأمين العام تقديم مقترحات مفصلة، في موعد أقصاه 30 يناير 2027، بشأن الهيكل التنظيمي للبعثة ومواردها البشرية والمالية واللوجستية، بما يشمل إمكانية تقليص عدد الأفراد النظاميين المأذون بهم، وإغلاق بعض المواقع الميدانية أو دمجها، إلى جانب مراجعة آليات مراقبة وقف إطلاق النار والإجراءات المتعلقة بالألغام ودعم المسار السياسي.
وتشير هذه المقتضيات إلى توجه نحو إعادة تقييم الاحتياجات الميدانية والإدارية للبعثة، مع إبقاء الخيارات مفتوحة أمام مجلس الأمن بشأن حجم حضورها وطبيعة مهامها، دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار نهائي بشأن مستقبلها.
مخيمات تندوف.. البعد الإنساني ضمن حسابات التسوية
ولا يقتصر مشروع القرار المنقح على الجوانب السياسية والأمنية، بل يولي اهتماما للأوضاع الإنسانية في مخيمات تندوف، مع التعبير عن القلق إزاء استمرار النزوح وتدهور الظروف المعيشية، والتأكيد على ضرورة البحث عن حلول مستدامة تراعي القانون الدولي والمعايير الإنسانية المعمول بها.
وتدعو الصيغة المتداولة إلى توجيه التمويل الدولي نحو حلول فردية وطوعية ودائمة، تحت إشراف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في توجه يربط المساعدات الإنسانية بضرورة إيجاد مخارج مستدامة للأوضاع القائمة.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط الملف الإنساني بمبادئ حماية اللاجئين وصون كرامتهم، مع ضرورة التمييز بين الدعوة إلى تحسين ظروف العيش والبحث عن حلول دائمة، وبين أي استنتاجات بشأن الأعداد أو الوضع القانوني للأشخاص المعنيين، وهي مسائل تستوجب معطيات موثقة وإجراءات أممية مختصة.
توسيع المشاورات السياسية.. دائرة استماع أوسع
وعلى المستوى السياسي، تدعو المسودة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، إلى توسيع مشاوراته لتشمل مختلف الفئات والمحاورين الصحراويين، بمن فيهم غير المشاركين مباشرة في المفاوضات، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين أو ضمن الجالية الصحراوية بالخارج.
ويعكس هذا التوجه رغبة في توسيع دائرة الاستماع إلى مختلف التصورات والمواقف المرتبطة بالنزاع، مع مطالبة الأمين العام بإدراج نتائج هذه المشاورات ضمن تقاريره المقبلة.
غير أن توسيع نطاق المشاورات لا يعني بالضرورة تغيير الأطراف الرسمية للمفاوضات، كما لا يحسم مسبقا طبيعة التمثيلية السياسية أو مدى تأثير مواقف الفئات المعنية في النتائج النهائية للمسار الأممي.
بين التفاوض السياسي والاعتبارات الحقوقية.. القرار النهائي هو الفيصل
وتكشف النسخة الأمريكية المنقحة، وفق المعطيات المتداولة بشأنها، عن ثلاثة محاور رئيسية: وضع الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية في صلب الإطار التفاوضي الذي تدفع به واشنطن، وإعادة تقييم هيكلة بعثة الأمم المتحدة ومواردها ومهامها، إلى جانب توسيع المشاورات السياسية وتعزيز البحث عن حلول إنسانية مستدامة.
وتبرز هذه التعديلات استمرار سعي الولايات المتحدة إلى إعادة ضبط بعض تفاصيل المقاربة المعتمدة في الملف، دون أن يعني ذلك أن جميع عناصر المشروع أصبحت نهائية أو أن مجلس الأمن حسم مسبقا في مستقبل البعثة الأممية.
وبين رهانات التسوية السياسية ومتطلبات الاستقرار الميداني وحماية الحقوق الإنسانية، يبقى الحسم مرتبطا بما ستسفر عنه المفاوضات داخل مجلس الأمن، وبالمقتضيات التي ستعتمد رسميا في القرار النهائي، باعتبار أن المشروع المنقح يظل وثيقة تفاوضية لا قرارا أمميا نافذا.
وعليه، فإن التطور الأبرز لا يكمن فقط في التعديلات المقترحة بشأن المينورسو، بل أيضا في استمرار وضع مبادرة الحكم الذاتي في صلب المقاربة الأمريكية للمفاوضات، بالتوازي مع إعادة فتح النقاش بشأن مستقبل البعثة الأممية والأبعاد الإنسانية والسياسية للنزاع.













