الأزرقان والأصفر… من يكتب الفصل الأخير في خارطة الداخلة وأوسرد؟

هيئة التحريرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
الأزرقان والأصفر… من يكتب الفصل الأخير في خارطة الداخلة وأوسرد؟

الساحل بريس / الصغير محمد

في السياسة، لا تكون أخطر التحركات تلك التي تعلن في المؤتمرات الصحفية، بل تلك التي تقرأ بين السطور. فهناك دائما مشهد مواز لا تلتقطه الكاميرات، تصنع فيه التفاهمات، وتختبر فيه المسافات، وتوزن فيه الكلمات قبل أن تتحول إلى مواقف.

ومن يراقب المشهد السياسي بجهة الداخلة وادي الذهب، يدرك أن الخارطة بدأت تتحرك بهدوء، لكن دون أن تكشف كل أسرارها. فالصمت هنا ليس فراغا، بل جزء من اللعبة، وتأخر الإعلان ليس بالضرورة ترددا، بل قد يكون أكثر أدوات السياسة فاعلية.

في ظاهر المشهد، يبدو أن حزبين يحملان اللون الأزرق يتجهان نحو منافسة مفتوحة على قيادة المرحلة المقبلة. غير أن المعركة لا تبدو محصورة بينهما فقط، لأن لونا ثالثا، هو الأصفر، يظل حاضرا في كل القراءات، ليس باعتباره طرفا هامشيا، بل باعتباره الحلقة التي قد تعيد رسم التوازنات متى حان وقت الحسم.

صحيح أن أحد الأزرقين لم يعلن رسميا موقعه النهائي، لكن السياسة لا تنتظر البلاغات الرسمية حتى تبدأ في إنتاج قراءاتها. فالمتابعون يراقبون حركة الأشخاص قبل البيانات، ويحسبون توقيت اللقاءات أكثر مما يحسبون عدد التصريحات، لأن ما يقال في العلن ليس دائما ما يبنى عليه القرار.

ومن هنا، تبدو كل السيناريوهات مفتوحة، وإن كانت أغلب القراءات تتقاطع عند فرضية واحدة؛ أن التحالفات القادمة قد لا تخرج كثيرا عن هذا المثلث السياسي الذي يجمع الأزرقين والأصفر. غير أن السياسة علمتنا أيضا أن أكثر السيناريوهات تداولا ليس بالضرورة أكثرها تحققا.

فالمشهد في الداخلة وأوسرد لا تحكمه الأحزاب وحدها، بل تتحكم فيه شبكة معقدة من التوازنات المحلية، والامتدادات الاجتماعية، وحسابات النفوذ، والعلاقات التي تتجاوز حدود الانتماء التنظيمي. لذلك، فإن أي قراءة تختزل المشهد في لون سياسي واحد، قد تغفل تفاصيل صغيرة قادرة على تغيير الصورة بأكملها.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: من يقترب من المشهد أكثر؟ بل: من يقرأ المشهد بطريقة أقل اندفاعا؟

فالسياسة في جهة الداخلة وادي الذهب لا تدار فقط بمنطق التحالفات الظاهرة، بل بمنطق التوازنات التي تصنع بعيدا عن الأضواء. وما يبدو اليوم تقاربا، قد يكون مجرد تقاطع مصالح مؤقت، وما يقرأ على أنه اصطفاف نهائي، قد لا يكون سوى محطة في طريق أكثر تعقيدا.

وفي هذا السياق، يبدو المشهد أشبه بحقل مفتوح على كل الاحتمالات؛ لا قيمة فيه لمن يصل أولا، ولا لمن يحلق أعلى من الآخرين. فالأرض لا تكشف أسرارها إلا في النهاية، وحينها فقط يتبين أن كثيرا مما بدا يقينا لم يكن سوى قراءة، وأن أكثر الخرائط تداولا كانت أقلها دقة.

ويقول ونستون تشرشل: “في السياسة لا توجد عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، بل مصالح دائمة.” وهي عبارة تبدو قادرة على تفسير كثير من التحركات التي تقرأ اليوم في الجهة، حيث تتحرك المصالح أحيانا بسرعة أكبر من الشعارات.

أما نيكولو ميكافيلي، فقد لخص جانبا آخر من اللعبة بقوله: “الناس يحكمون على الأمور بما يرونه من نتائج أكثر مما يحكمون عليها بالنوايا.” ولذلك، فإن كل ما يبنى اليوم من توقعات سيظل مجرد فرضيات إلى أن تكشف الأيام عن النتائج الفعلية.

ولهذا، فإن الحديث عن تموضع هذا الحزب أو اقتراب ذاك من الآخر، يبقى في حدود القراءة السياسية لا الحقيقة النهائية. فالأوراق لم تكشف كلها، والكواليس ما زالت أكثر ازدحاما من الواجهة، وما يبدو اليوم ثابتا قد تعيد اللحظة السياسية تشكيله بصورة مختلفة.

وفي انتظار أن ترفع الستارة كاملة، ستظل جهة الداخلة وادي الذهب تعيش على إيقاع مرحلة عنوانها كثرة الإشارات وقلة اليقين. فهناك من يقرأ الألوان، وهناك من يقرأ الأشخاص، وهناك من يراهن على الزمن وحده. أما السياسة، فلها عادة قديمة؛ لا تكشف وجهها الحقيقي إلا بعد أن يظن الجميع أنهم عرفوه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة