حين يتحدث الصمت السياسي.. ماذا قال مزور، وماذا ترك للتأويل في ملف الخطاط ينجا؟

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
حين يتحدث الصمت السياسي.. ماذا قال مزور، وماذا ترك للتأويل في ملف الخطاط ينجا؟

الساحل بريس / الصغير محمد

قبل أن تتقدم السياسة بخطوة، تتقدم الإشارات. وفي المشهد السياسي المغربي، كثيرا ما تكون الجملة القصيرة أكثر قدرة على صناعة الجدل من خطاب طويل. هذا ما كشفته إجابة وزير الصناعة والتجارة رياض مزور خلال البرنامج التلفزيوني الذي يقدمه الإعلامي يوسف بلهيسي، حين سئل عن الأخبار المتداولة بشأن احتمال مغادرة الخطاط ينجا لحزب الاستقلال والتحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة.

لم يكن السؤال الذي طرحه يوسف بلهيسي مجرد استفسار عن خبر سياسي متداول، بل كان اختبارا لحدود المعرفة وحدود الإفصاح داخل حزب يعيش بدوره على إيقاع استعدادات انتخابية مبكرة. غير أن رياض مزور اختار أن يجيب بما يعرفه رسميا، لا بما يروج في الكواليس.

قال الوزير: “أنا إلى حد الساعة سي الخطاط ينجا رئيس جهة الداخلة وادي الذهب باسم حزب الاستقلال، إلى كان عندكم شي معلومات أخرى أنا ما عنديش.”

وحين عاد يوسف بلهيسي للتأكيد على أن الأخبار المتداولة بشأن رحيل الخطاط ينجا عن الحزب لم يقابلها أي نفي رسمي، أجاب مزور مرة أخرى: “واش سي الخطاط ينجا رئيس جهة الداخلة باسم حزب الاستقلال، وإلى غادر من الحزب يمكن يتحيد من الرئاسة.”

سياسيا، لا يبدو هذا الجواب عاديا. فالوزير لم يقل إن الخطاط ينجا باق داخل حزب الاستقلال، كما لم يقل إنه غادره، بل اكتفى بوصف الوضع القانوني القائم. إنها لغة سياسية محسوبة، لا تمنح تأكيدا ولا تصدر نفيا، لكنها تترك مساحة واسعة للتأويل.

وفي السياسة، لا تقل أهمية ما لا يقال عن أهمية ما يقال. لذلك فإن غياب أي توضيح رسمي من الخطاط ينجا، أو من حزب الاستقلال، أو من حزب الأصالة والمعاصرة، جعل الإشاعة تتحول إلى موضوع للنقاش، لا لأنها مؤكدة، بل لأن الصمت منحها قابلية للاستمرار.

السيناريو الأول هو أن يكون الخطاط ينجا ما يزال متمسكا بانتمائه الحزبي، وأن ما يروج يدخل ضمن دينامية سياسية معتادة تسبق كل استحقاق انتخابي، حيث تختلط المعطيات الحقيقية بالتسريبات والتوقعات.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على فرضية وجود مشاورات سياسية لم تبلغ بعد مرحلة الإعلان. فالانتقال الحزبي، بالنسبة للفاعلين ذوي الثقل الانتخابي، لا يكون مجرد قرار تنظيمي، بل يرتبط بحسابات دقيقة تتعلق بالتوقيت، والتحالفات، وموازين القوى.

ويبرز سيناريو ثالث، ربما هو الأكثر إثارة، ويتمثل في أن الخطاط ينجا يدير المرحلة بمنطق الانتظار الاستراتيجي. فمن يعرف مساره السياسي يدرك أنه لا يتحرك عادة تحت ضغط الأخبار أو الإشاعات، بل يختار التوقيت الذي يحقق أكبر مكسب سياسي وانتخابي.
وفي هذا السياق، قد يصبح الصمت نفسه أداة للتفاوض، كما قد يتحول الغموض إلى ورقة قوة في مرحلة إعادة تشكيل الخريطة السياسية.

لكن، في المقابل، لا توجد إلى حدود الساعة أي معطيات رسمية تثبت وقوع انتقال حزبي، وهو ما يجعل كل هذه السيناريوهات مجرد قراءات وتحليلات سياسية، لا أخبارا مؤكدة.

ما كشفته هذه الواقعة يتجاوز سؤال: هل غادر الخطاط ينجا حزب الاستقلال أم لا؟ فالقضية تكشف طبيعة المرحلة السياسية التي تسبق انتخابات 2026، حيث تصبح كل كلمة محسوبة، وكل صمت قابلا للتأويل، وكل تصريح مقتضب مادة لتحليل أوسع من مضمونه المباشر.

وبين إجابة لم تحسم، وصمت لم ينكسر، يبقى المشهد مفتوحا على أكثر من احتمال. غير أن الحقيقة السياسية، كما هي العادة، لا يصنعها ما يروج في الكواليس، بل ما يعلن عنه رسميا عندما يحين الوقت المناسب.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة