الساحل بريس / الصغير محمد
في السياسة، هناك لحظات يصبح فيها اسم واحد قادرًا على اختزال نقاش بأكمله. لا لأنه حسم المعركة، بل لأن الجميع قرر أن يجعل منه عنوانًا لها.
هذا ما يحدث اليوم مع فوزي لقجع.
فمنذ إعلان التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة، لم يعد الرجل مجرد مسؤول التحق بحزب سياسي، بل تحول إلى محور خطاب سياسي وإعلامي متسارع. وبينما لم تبدأ الحملة الانتخابية بعد، أصبح اسمه حاضرًا في تصريحات قادة الأحزاب أكثر من حضور البرامج الاقتصادية والاجتماعية التي ينتظرها المواطن.
لكن… لماذا؟
الجواب لا يتعلق بلقجع وحده، بل بطبيعة المرحلة السياسية التي يعيشها المغرب مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية.
فالتحاق شخصية وازنة بحزب سياسي حدث يستحق المتابعة، لكن القفز مباشرة إلى الحديث عن رئاسة الحكومة يجعل المشهد يبدو وكأن الانتخابات انتهت، والأغلبية تشكلت، ولم يبق سوى الإعلان الرسمي عن رئيس الحكومة المقبل.
والحال أن الواقع السياسي أكثر تعقيدًا من ذلك.
فرئاسة الحكومة لا تُمنح بالتحاق شخص إلى حزب، مهما كان حضوره وتأثيره، بل تمر عبر انتخابات، ونتائج، وتحالفات، وتوازنات حزبية ودستورية قد تقلب كل التوقعات.
ورغم ذلك، أصبح اسم لقجع حاضرًا في خطاب مختلف الفاعلين السياسيين.
ففي اللقاء التواصلي الأخير بمدينة الداخلة، وجّه القيادي بحزب التجمع الوطني للأحرار الطالبي العلمي، سؤالًا لافتًا: “هل المواطن ينتظر التنمية أم البوز؟”. ورغم أنه لم يذكر اسمًا بعينه، فإن توقيت التصريح وسياقه جعلا كثيرين يربطونه بالنقاش الدائر حول تضخم حضور بعض الأسماء في المشهد السياسي، في مقابل الدعوة إلى التركيز على حصيلة الإنجاز والعمل الميداني.
ومن جانبه، اختار رئيس الحكومة عزيز أخنوش لغة سياسية لا تخلو من الرسائل عندما قال: “نحن لسنا في ميركاتو”، قبل أن يضيف: “من يملك الكفاءات لا يبحث عنها في آخر لحظة.” وهي تصريحات قرأها متابعون باعتبارها ردًا على موجة انتقال شخصيات بارزة بين الأحزاب مع اقتراب الانتخابات.
أما عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، فقد ذهب أبعد من ذلك، حين تحدث عن ما يُتداول بشأن إعداد فوزي لقجع لقيادة ما بات يُوصف إعلاميًا بـ”حكومة المونديال”، متسائلًا عن جدوى الانتخابات إذا كان الرأي العام يُدفع إلى الاعتقاد بأن هوية رئيس الحكومة حُسمت مسبقًا.
وهنا تكمن المفارقة.
لقجع لم يعلن ترشحه لرئاسة الحكومة، ولم يعلن حزبه تقديمه لهذا المنصب، ومع ذلك أصبح محورًا لخطابات الأغلبية والمعارضة على حد سواء.
وهذا يعني أن المعركة الحالية ليست معركة برامج بقدر ما هي معركة روايات سياسية. فكل حزب يحاول تقديم تفسيره الخاص لما يحدث؛ هناك من يراه استقطابًا لكفاءة، وهناك من يصفه بإعادة ترتيب للمشهد السياسي، وهناك من يعتبر أن النقاش حول الأشخاص بدأ يطغى على النقاش حول القضايا التي تشغل المواطنين.
وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: لماذا أصبحت الأحزاب تتحدث عن شخص أكثر مما تتحدث عن تصوراتها لمعالجة البطالة، وتحسين التعليم، وإصلاح الصحة، وتعزيز الاستثمار؟
ربما لأن صناعة الصورة أصبحت جزءًا من المعركة الانتخابية. فحين ينجح اسم واحد في فرض نفسه على النقاش العمومي، يصبح بحد ذاته أداة للتأثير في اتجاهات الرأي العام، سواء من خلال دعمه أو مهاجمته.
لكن التجارب السياسية تؤكد أن الضجيج الإعلامي لا يحسم نتائج الانتخابات، وأن الأسماء، مهما كان بريقها، لا تعوض البرامج، ولا تغني عن ثقة الناخبين.
فالسياسة لا تُبنى على الانطباعات، بل على صناديق الاقتراع. والشرعية لا تصنعها كثرة الحديث عن شخص، وإنما يصنعها اختيار المواطنين يوم التصويت.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يقود لقجع الحكومة المقبلة؟ بل أصبح: لماذا تحوّل اسمه إلى محور الخطاب السياسي، بينما تراجعت البرامج إلى الصفوف الخلفية؟
قد تكون الإجابة هي المفتاح لفهم المشهد السياسي المغربي في المرحلة التي تسبق الانتخابات؛ مرحلة لا يتنافس فيها الجميع على الأصوات فقط، بل على صناعة الرواية التي ستسبقها.













